المتديِّنون وغزَّة والإنسانية
حسن الإلياسي
يُسرعون للمساجد في كل صلاة ليؤدوا الفريضة جماعات، وتتعطَّر ألسنتهم بذكر الله تبارك وتعالى حمدا، وتسبيحا، وشكرا. يقابلونكَ بالتحية الإسلامية تامَّةً، غير ناقصة، ويتحدَّثون بين الفينة والأخرى عن فناء الدنيا ومفاتنها، وعن القيامة وعلاماتها، وعن الماضي السحيق بصالحيه وفاسديه. لكنْ ماذا بعدُ؟
يحجُّون مكَّة المكرَّمةَ لأداء المناسك، أو المدينة المنوَّرةَ لاستنشاق نسائم الأرض المباركة وزيارة الروضة الشريفة حيثُ الصحابيَّان الجليلان «أبو بكرٍ» و«عمرُ» رضيَ الله عنهما وحيثُ النبيُّ الأعظم «محمّدُ بنُ عبد الله» صلَّى الله عليه وسلَّمَ وقد يجمعون، لتيسُّر الحال، بين الزيارتين. من الممكن، كذلك، أنْ يتَّخذَ منهم مؤذِّنون، وأوصياءُ على المساجِد يفتحونها قبيل الصلواتِ الخمسِ المفروضاتِ. لكنْ ماذا بعدُ؟
لكنْ، عن قصد أو دون قصد، تتعاطى فئة من هؤلاء (ويمثِّلها، أيضا، الأقل تديُّنا) أو تقدِّم، في حوانيتَ ومحالّ، مختلَفَ المنتجات ذات العلامات المساندة للإبادة الجماعية الجارية (علامة تجارية + إبادة) ، قُرابة العامين، في غزَّة بدءا بالمنتجات الغذائية الأكثر شعبية ك«كوكاكولا»، و«بيبسي»، و«نيسكافي»، و«دانون»، ووجبات «ماكدونالدز» وصولا للملابس ومواد التنظيف مثل «نايك» الأمريكية و«لاكوست» و«بيما»، و«آرييل»، و«تيد»، و«ﮂوڤ».
إنَّ غياب القصد أووجوده، وانعدام الدراية أو حضورها في تعاطينا أو متاجرتنا في العلامات الإباديَّة المذكور بعضها ،أعلاهُ، سيان، إذْ لا عذر، بتاتا، يتَّخذ لأيادينا البيضاء وهي مخضَّبةٌ بدماء مواكب الشهداء المتلاحقة في مشهد مأساويِّ يوميٍّ لا يُطاقُ. وإنَّ الذي لا يعرِف طبيعة ما يتعاطاه من منتجاتٍ، مهما تعددت أسماؤها ومنافعها، فعليه، وجوبا لا اختيارا، أن يعرفَ، والذي يعرف طبيعتها ومتمسِّكٌ بها فعليه أن يحاسَب اليومَ وليس غدا. ولا ريبِ في حسابه، فَللتاريخ ذاكرةٌ لا تنسى الجُناةَ!
تلكم علامات إباديَّة لو تعرفون
بغرض تأكيد الطبيعة الصهيونية، للعارف والجاهل على حد سواء، لبعض العلامات المتداوَلة (أقف هنا عند ستة نماذج فقط) في صفوف الطبقة المعنية، و لمزيد من تثبيت الصورة المظلمة لها، بالإضافة إلى تكريس مشروعية حملات مقاطعتها العالمية، أسرد جوانب من الدعم الذي قدَّمتهُ (وتقدِّمهُ) للدولة العبرية على النحو الآتي.
ماكدونالدز .1
في خُطوة جدّ مستفزَّة عقِب أحداث 7 أكتوبر 2023 المجيدة، أقبلت السلسلة الأمريكية لشطائر «الهامبرغر»،«ماكدونالدز»، من خلال فرعها في ما تسمى «إسرائيل» على إمداد الجيش الصهيوني وقُطعان المستوطنين بآلاف الوجبات المجانية اليومية بغلاف غزَّة، إلى جانب القيام بتخفيضات سخيّّة لصالح «الجنود» وأفراد الشرطة، واستحداث مطاعم جديدة، داخل الكيان الوهمي، غير مدفوعة الخِدمة.
كوكاكولا .2
على مدى سنوات طويلة، دعمت شركة المشروبات الغازية «كوكاكولا» الكيان الصهيوني، وقد تجسَّد ذلك في تبرُّعها بمبالغ جدِّ مهمَّةٍ للحكومة «الإسرائيلية»، ولجهات جمعوية وسياسية، تنحدر من التيَّار اليميني المتطرِّف، كحزب «الليكود» الذي يتزعَّمه مجرم الحرب المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية «بنيامين نتنياهو»، ومنظمة «إم تيرتسو» واحدة من أكبر المنظمات الدينية العنصرية. وفي سياق المشروع الاستيطاني، سبق «لكوكاكولا»، صاحبة الفرع الشرق – أوسطي الأكبر داخل «إسرائيل»، إعلان نيتها، مطلع القرن الحالي، تمويل بناء مستوطنة جديدة تحت اسم «كريات جيت» على أراضي الضفة الغربية ذات السيادة الفلسطينية، باعتراف الأمم المتحدة.
نيسكافي 3
تعود علامة مساحيق القهوة المعروفة، «نيسكافي»، إلى شركة «نيستله» السويسرية المتخصصة في الصناعات الغذائية، وهي شركة يملك مديرها التنفيذي المدعوُّ «لوران فريكس» مؤسسة « أوسِّيم» الصهيونية ذات الخط الإنتاجي نفسه ملكية تامة.
ﮂوف .4
تندرج العلامة التجارية «ﮂوڤ» ضمن لائحة المنتجات الخاصة بشركة «يونيليڤر» البريطانية التي تتواجد عبر فرعها في ما تُدعى «إسرائيل»، والتي ترفض، كما في نص رسمي نشرته على موقعها، دعوات المقاطعة العالمية «بِّ. دِ. إِسْ» نتيجة وقوفها المستميت إلى جانب الاحتلال الصهيوني.
تيد .5
تُعدُّ علامة مسحوق الغسيل «تيد» واحدة من بين العلامات التجارية لمؤسسة «بروكتر آند گامبل» الاقتصادية الأمريكية التي لا تملك فقط فرعا لها بالأراضي المحتلة، بل لديها كذلك مركزٌ للبحث والتطوير باسم «بيت الابتكار الإسرائيلي». إلى جانب ذلك، فالشركة المعنية تستهلِك أزيد من نصف إنتاج الأقمشة غير المنسوجة للمصنع الصهيوني المسمى «آفجول».
بوما .6
على مدى ست سنواتٍ انطلاقا من عام 2018م، كانت شركة «بوما» الألمانية للملابس هي الراعي الرسمي «لاتحاد كرة القدم الإسرائيلي»، المكون من فرق أراضي الخط الأخضر المحتلة (أراضي 48)، وأخرى تابعة لمستوطنات الضفة الغربية. إضافة إلى ذلك، فالعلامة الألمانية لها علاقات تجارية مع مؤسسات اقتصادية صهيونية عاملة في المستعمَرات غير الشرعية بإقرار أممي.
في حقيقة التديُّن
إذا كان الدين، الإسلام تحديدا، نظاما عقديا – تعبديا – قيميا، فالتدين، في المقابل، هو ممارسة هذا النظام ممارسة تامة، لا الاكتفاء بجزء منه دون آخر. والحال، للأسف، أن الفئة، قيد الحديث، إنما تحدُّ التزاماتها الدينية في الشكليات التعبدية والمظهرية متجرِّدة من أيِّ بعد قيمي أو إنساني. لذلك، نراها، وفي أوج العدوان على قطاع غزَّة، إما مستهلكة أو متاجِرة في شتى أنواع المنتجات الداعمة، بتمويلات سخية أو خدمات متفانية، للدولة الصهيونية.
إنَّ الخطاب الديني الإسلامي لا يقف عند تحديد الواجبات التعبدية للمسلمين ووصفها، والإلزام بها فقط، بل يجعلها كذلك رهينة بالجانب القيمي – الإنساني، وإذا كانت في انفصال عنه لم يعتَرِفٔ بها كما لو أنها معدومة. هاته المتلازمة السلوكية المترسِّخة في جوهر الدين، تتأكد عبر نصوص شريفة، يتمظهر فيها الربط بين الشكلي والإنساني، ومن بينها حديث رواه «أبو هريرةَ» رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جاء فيه:﴿قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ، فُلَانَةٌ تَصُومُ النَّهارَ وَتَقُومُ اللَّيلَ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فُلاَنَةٌ تُصَلِّي المَكْتُوبَاتِ، وَتَصَّدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ (شيء من اللبن أو الحليب المجَمَّد)، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي الجَنَّةِ﴾ (صحيح). وورد في نص حديثي آخر قول «رسول الله» صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَا مِنِ امْرِئٍ (أي المسلم) يَخْذُلُ امْرِءاً مُسْلِماً فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ﴾ (من أحكامه الصحَّة).
إنَّ حقيقة التدين، في النهاية، هي الالتزام الكامل بكافة الواجبات، التعبدية منها والأخلاقية، وغزَّةُ، اليومَ، هي مقياس هذا الالتزام ومرآته الشفَّافة، على اعتبار أنها اختبار إيماني وديني، فرديٌّ وجماعيٌّ.
إنسانية غير متديِّنة
إن كانت فئة من المتديِّنين، فاقدة للإنسانية، غير آبهة بما يجري لإخوة الدم والعروبة والديانة، وبالتالي، رصيد نصرتها وتضامنها فارغ تماما، فهنالك طائفة من الأفراد، ليسوا منا، لا دما، ولا عِرقا، ولا أرضا، ولا دينا. أفرادٌ غير متديِّنين، فلا قِبل لهم بصلاة، أو صوم، أو حجٍّ، أو ما عدا ذلك من أركان إسلامنا الحنيف وفرائضه، إلَّا أنَّهم أبانوا، ويُبينُونَ، عن إنسانية كبيرة، ونصرة شديدة لأهلنا المظلومين في غزَّةَ العِزَّة، وكافة فلسطين المغتصبةِ. وفيما يأتي نعرض نماذج مختارةً من هاته الفئة، مرفِقينَ كل واحد منها على حدة بنُتفةٍ.
آرون بوشنل -1
بزيِّه العسكري، وبالضبط يوم الأحد، الخامس والعشرين من فبراير من السنة المنصرمة، قصد الأمريكي «آرون بوشنل»، الجندي العشريني في سلاح الجو آنذاك، مقرَّ السفارة «الإسرائيلية»، بالعاصمة «واشنطن»، حيثُ اختار إحراق نفسه، وقفا حسبما صرَّح لتواطئه في الإبادة الجماعية التي تنفِّذها «إسرائيل» بحقِّ الفلسطينيين الغزيِّين و تنديدا منه بدعم بلاده لها، بشكل لا مشروط وغير منقطعٍ، وهو يردِّد العبارة التضامنية الأشهر في العالم الغربي:«الحرية لفلسطين، أو فلسطين حرة». إن فعل «آرون» النبيل والشجاع هذا، ليس الوحيد في سجلِّه التضامني مع القضية الفلسطينية، فله مساهمات مالية في جمعية إحسانية أمريكية تقدِّم خدمات طبية للفلسطينيين، ويقع مقرها بمنطقة «كِنِت» في ولاية «أوهايو»، وتدعى «جمعية إغاثة أطفال فلسطين».
إلياس رودريغيز -2
خلال العام الجاري، وفي الواحد والعشرين من شهر ماي الفائت، أقبل الكاتب اليساري والباحث الأمريكي المتخصص في التاريخ الشفوي للقادة من ذوي الجذور الإفريقية،«إلياس رودريغيز» على الاستهداف المسلَّح لتجمُّع مؤيِّدٍ «لإسرائيل»، أمام المتحف اليهودي، بمدينة «واشنطن». وأثناء العملية، كان «رودريغيز» يهتِف لغزَّةَ، وفلسطين قائلا:«الحرية لفلسطين أو فلسطين حرَّة»، وأيضا:«فعلتُ ذلك لأجل غزَّة». وأدَّى الاستهداف إلى مقتل دبلوماسيين يعملان بالسفارة «الإسرائيلية».
«مادلين» الحرية -3
مطلع الشهر الحالي، انطلقت سفينة الحرية «مادلين» من جزيرة «صقلية» بإيطاليا، متجهة إلى غزَّةَ بحمولة مساعدات متواضعة غذائية وطبية من أجل كسر حصار الاحتلال الصهيوني عنها، المفروض بقوة على مدى شهور العدوان الطويلة. السفينة الإنسانية أبحرت مسافة طويلة حتى أنها اقتربت جدا من غايتها. لكن للأسف، في اليوم التاسع للإبحار، سيطرت عليها عناصر من بحرية الاحتلال «الإسرائيلي» ، بعيد إعلانات قبلية، ومتكرِّرة عن النية لحظر وصولها لسواحل قطاع غزَّة. وقد ضمَّت «مادلين» على متنها، عدة نشطاء أجانب، بينهم السويدية «غريتا ثونبرغ» (22 عاما فقط)، والطبيب الفرنسي «باتيست أندريه»، إلى جانب المتضامن الدولي البرازيلي مع قضية فلسطين «ثياغو أفيلا»، والإسباني «سيرجيو توريبيو»، والهولندي «مارك فان رين».
◆ ◆
إن التدين الظاهري الخالي تماما من مشاعر الإنسانية، والفعل الأخلاقي هو تديُّن بلا روح. فيا أيها العابد، ويا أيتها العابدة، ويا أيُّها المؤمن، ويا أيتها المؤمنة، عودا عن مسار الشكليات، وتأنسنا. عودا عن مسار الشكليات، وانصرا غزَّة وانتصرا لها، فهي، اليوم وبالأمس وغدا، تنتظر خيريَّتكما، وانتفاضة قلبيكما. لقد خذلتماها، ولا إنكار. لقد وقفتما في الجهة المقابلة، كمشاركيْن بسلاح الصمت، وطعنة التجاهل المخزي. فعلتما ذلك ولا إنكار. لكن، كما يقال،«أَنْ تأتيَ متأخِّراً خيرٌ من ألا تأتي»، فأْتوا، والتحِقوا بركب الأحرار والأنصار، قبل أن يفوت الأوان، ويُكتبَ اسماكما بخط عريض وبارز في سِجلاَّت العار، تلك التي لا تمحى، ولا تنساها الذاكرة.