الكلمة آية وغواية
قد ترفعني إلى أوج السمو كما قد تغرقني في بحر الظلمات كلمة نعم كلمة
شعورها يتسلل غازيا فاتحا بجيشه كل أراضيَّ البور
إذا مرت حروفها دون إلحاح لتتواجد في وجدي أعلم أنها ليست المتوجة لتدخل محراب عشقي وتتربع على عرش مصباحي نورا
تمتلكني حتى تستنزف دمي رحيقا
وتسحق عظامي نخاعا لتستشف لب معانيها
غبار نجمها أبيض قطبي الملمس
تندهش له خطوط الإستواء وخط الأفق وخط مجرى وحتى خط كرمان غير مبالية
إلا بسريان الأحمر في حبيبات رماني
لا أكتب الكلمة حتى تنضج ويجف دمها وتصبح طيعة للتعبير لا أبالي أن تروق لأحد او لا كوني موقنة إذا راقتني ستفعل بالآخر خصوصا من يشبهني أو من بكفه بذرة البستاني تعبر عن نفسها بقوة الحضور والمعنى
في جوارحي نراها بصيغة الجمع تغفو تارة في عوالم أدب سوريالي مع دالي وشكال وميرو وتارة أخرى
مع بودلير وشكسبير ومحفوظ ودرويش
إذا نضجت أقطفها في الحين وقتها وإلا تتعفن وتفوح روائحها النتنة
لا أتركها إلى الغد قد تغادرني دون رجعة أو ترجع بعد حرب ضروس
روحها حرة كالشمس مشعة
علاقتي بها علاقة عشق سرمدي
كما ألواني منسجمة هي عندي شرف إذا أخرجتها من فاهي وذمتي، أحترمها ولو على حد السيف نتوءها ليس بالهين وولادتها متعسرة أحيانا لكني أحب أن أحبل بها تشعرني بالأمومة الأدبية
الجميل في تعاملي معها هو العشق والإحترام كمبدأ أساسي للتعامل
لا أنسى مداعبتها والبحث في أحشاء مرادفاتها الغابرة
ألقح فيها القديم والجديد بكل مودة بعيدا عن الجفاف بكل إنسانية لكي لا تنفر مني
لأعبر بها عن الزمكان ساعات رملية بهية و أنسج وشاحا أخضرا مطرزا المعاني الأجاويد بيقين الغوث في واد يخلو من الزرع.
وطن هي الكتابة باعتبارها أصدق تعبير عن الروح، هي ميزان القلب ومتنه، هي المأوى الملجأ،
هي الملاذ والاحتواء.
لا يجب أن تخلو من إحساس قلق الإبداع الإيجابي، به تحرت أرضها الخصبة وتسقيها موفرة بذلك الجو والظرف الملائمين لعملية الخلق والابتكار، مسلحة بالمعرفة والبحث والتمحيص والمغامرة والحماقة.
الإطاحة بالقلق من قاموس الأحاسيس في الكتابة الإبداعية أمر عبثي مذموم، فالخشية من احتمال الفشل في القصيدة والقصة والرواية يبقى أمراً مستحباً، وجوده حتمي وضروري،
ناهيك عن الدور الذي تلعبه الكتابة في قدرتها على لفت الدواخل، أولاً، بالدهشة والوعي بعمق الأشياء والاقتناع بتحولاتها المستمرة عبر الزمان والمكان.
القلق الإبداعي يفترض أن يراوض باستمرار الموهوب الحق تجاه كتاباته، كذاك المهووس بالعشق في إحساسه أو جراح القلب في دقته أو مهندس المعمار في هندسته أو المصلي في خشوعه.
ليست مصادفة أن المبدع والموهوب الحقيقي ترافقه الهواجس دائماً، وتخلل شعوره يتسائل دائماً عن سوية وقيمة ما يكتب، لايرتاح ولا يطمئن، يتقدم خطوة ويتراجع بأخرى، ينوي بساعة ويعدل عن نيته ساعة أخرى، وكأن لعنة الموهبة تتبعه للتقصي منه… جميل كل ذلك، محكوم عليه بحكم مؤبد بالجمال، فهو بالفطرة والمعرفة خائن للجهل والرتابة، يدفعه الطرف الناقد من شخصيته إلى الاستبداد وعدم الرضا عن الطرف الآخر، بالمقابل الطمأنينة والسكينة بين الفينة والأخرى تلعب دورها في عملية التناقض وبالتالي الحياة (الحياة الإبداعية طريق الشجعان، تعلم التعايش مع مشاعر الخوف الإبداعي كوسيلة للتفاجؤ بما يمكن تحقيقه)، حسب قول Elizabeth Gilbert.
لكن لا تجعله يتحول إلى خوف مرضي، فقط يلعب دوره كمحفز للإبداع.
نكتب كلما أثيرت حفيظتنا… كلما سال فيض قلمنا، نكتب كلما استفز إحساسنا الإنساني وبتوهج، كلما تدلت فينا عناقيد الحروف الخضراء جمالاً، نعبر بأصدق تعبير عن الروح كلما رافقتنا ذاكرة طفل التلقائية البريء رفيقنا منذ الصغر كجزء لا يتجزأ منا.
نعبر بذاك النور الذي يسمى إلهاماً، بذاك النبع المتدفق من المشاعر الجياشة ذات التربة الخصبة الولادة لشعاع القلم الذي يستقبل بشرى البسمات ودموع الروح بمزيج من عطور الأقحوان والياسمين التي تعطي أجمل المعاني حجمها الحقيقي.
نعبر بعدد حبات الرمل التي تكسو شواطئ الرهافة، وعدد الزهور التي تزين حدائق القلب التواقة لأريج المنى، وعدد قطرات المطر التي ترويها، وأنغام تغاريد الطيور فرحا وسروراً.
بالكتابة نحيا من جديد… نولد كل مرة من ثوب القمر الشفاف… من رماد الحياة المحترقة.
الكاتبة ميكو هناء