١٠ محطات في تاريخ العلم
بقلم/ د. محمد لبيب
العلم يصنع المعرفة ويصنع التكنولوجيا ويغير من المفاهيم فيؤدي إلي ثقافات جديدة وسياسات مستجدة ومتجددة. فالعلم هو تلك الرو حداثتي تسري في عقول العلماء لتبقي علي تطور الحياة. العلم هو ذلك المارد والفانوس السحري الذي وقوده المعرفة ويحمله العلماء لينيروا به العالم ليتحكم فيه أهل الحكم. والعلم ليس هواي وليس بمهنة، ولكنه حالة ثالثة تجمع بين الهواية والمهنة وما وراء الطبيعة. فالعالم الحق هو الوحيد الذي يعمل فيما وراء الطبيعة لكي يوظف الطبيعة والكيمياء والبيولوجيا لصالح الإنسان.
وتاريخ العلم يُعلمنا كيف كان العالم منذ آلاف السنين وكيف تحول تدريجيا في كل قرن من القرون حتي وصلنا من تكنولوجيا العصر الحجري إلي التكنولوجيا الرقمية رغم أن سمات الإنسان هي نفس سماته. ويعلمنا تاريخ العلم أيضًا دور الأمم المختلفة في العصور المختلفة والأماكن المختلفة في هذه النهضة الكبري من الحجر إلي الشريحة الذكية.
ويعلمنا تاريخ العلم أيضًا من هم هؤلاء الأفراد من العلماء والمفكرين المبدعين الذين حملوا علي عاتقك وأعماقهم هذه المسيرة العلمية المتعاقبة والمسئولية الكبيرة في نقل وحفظ وتطوير المعرفة ومدي الصبر والتحمل والمعاناة التي تغلبوا عليها.
بل سوف نتعلم من تاريخ العلم دور المجتمع ودور الحكام ودور رجال الدين، فكل كان له دور سواء بالسلب أو الإيجاب علي حسب الفترة الزمنية التي كان يمر بها العلم. فمنهم من ساعد العلماء ومنهم من أنكر العلم وظلم وعاقب العلماء، ومنهم من احتكر العلم ونصب نفسه علماء.
ومن قراءاتي في تاريخ العلم، وجدت أنه قد مر بمراحل ما قبل التاريخ ومراحل متعاقبة ومحددة في الشرق والغرب، والشمال والجنوب دون أن يتأثر بلغة أو بجنس أو بزمان أو مكان. بل هي مراحل تشبه تطور الآلة من مرحلة التفكير فيها عقليا ونظريا إلي صناعتها يدويا، ثم ميكانيكا، ثم آليًا، ثم رقميا. واستطيع من تلك القراءات المتواضعة أن ألخّص مراحل تاريخ العلم إلي عشر مراحل متتابعة شاركت فيها معظم الأمم. ثمان مراحل منهم رأيناها، والمرحلة التاسعة منهم قد نبدأها ونعيشها في القريب. أما المرحلة العاشرة فهي قيد التنبؤ والله أعلم بها.
١- مرحلة الحضارة المصرية القديمة (٧ الاف عام قبل الميلاد) اهتمت باكتشاف المفاهيم العلمية وتطبيقاتها في البناء والطب والزراعة والفلك والتي بقيت آثارها آلاف السنين كالمعابد والأهرام والموميات والجداريات. وتزامن مع الحضارة المصرية القديمة حضارات كبري منها الحضارة الصينية (٤ آلاف ق.م.)والهندية (٣ آلاف عام ق.م.) والفارسية (٥٥٠ عام ق.م.) والبابلية (القرن ١٨- ٦ ق.م.) والآشورية (٩٠٠ – ٦٠٠ ق.م.).
٢-مرحلة الحضارة الإغريقية (اليونانية من القرن ٩ ق.م – ٦ بعد الميلاد) اهتمت بتحويل المفاهيم العلمية ومنها التي توصل إليها القدماء المصريين إلي نظريات علمية رصينة استمرت آلاف السنين وظلت تدرس في الجامعات الأوربية حتي عصر النهضة. ولم تضف الحضارة الرومانية (٢٧ ق.م. إلي ٤٥٠ م) كثيرًا لأنها ركزت علي الفتوحات العسكرية في الشرق والغرب وبلاد الهند.
٣- مرحلة الحضارة الإسلامية (القرن ٨- ١٥ م) في العصر الذهبي للإسلام ارتكزت علميا في المقام الأول علي نواتج الحضارة اليونانية والفارسية بعد ترجمتها ومعها الحضارات المصرية والهندية والصينية لتُحرج العالم حضارة علمية ثقافية معرفية بطعم خاص وعاشت أكثر من نصف قرن ولكن لم تدم آثارها طويلًا باستثناء بعض الكتب مثل القانون في الطب لابن سينا والذي كان يدرس في الجامعات الأوروبية في عصر النهضة .
٤- مرحلة عصر النهضة الأوروبية (القرن ١٤ – ١٧ م) اعتمد علي المفاهيم العلمية التطبيقية للحضارة المصرية القديمة والنظريات العلمية للحضارة اليونانية والتطبيقات التكنولوجية للحضارة الإسلامية ليبزغ منها الثورة الصناعية الكبري.
٥- مرحلة عصر الثورة الصناعية (الأولي والثانية) الكبري (القرن ١٨ – ١٩ م) في أوروبا ارتكزت علي الانجازات العلمية في عصر النهضة لتتجه إلي الأبحاث التطبيقية وإلى اختراعات واكتشافات مهمة لإنتاج الطاقة من أجل التصنيع والآلات الميكانيكية.
٦- مرحلة عصر الثورة الصناعية الثالثة (الثورة التكنولوجية النصف الثاني من القرن العشرين) اعتمدت علي الانجازات الهائلة للثورة الصناعية الأولي (القرن ١٨م) والثانية (القرن ١٩م) لتنتقل إلي الإعتماد علي الرقمنة (Digitization) والمعالِجات الدقيقة والإنترنت وبرمجة الآلات والشبكات. وكان من نتائج هذه الثورة ظهور الكمبيوتر الذي أحدث ثورةً في تخزين المعلومات ومعالجتها. وكذلك برمجة الآلة ورقمنتها، ما جعلها تحلُّ شيئاً فشيئاً محل اليد العاملة. وقد ظهرت هذه الثورة في أوروبا وأمريكا ثم انتقلت إلي بلاد الشرق مثل اليابان والصين وكوريا وتايوان.
٧- مرحلة الثورة الصناعية الرابعة (القرن ٢٠) وتسمي أيضاً الثورة التكنولوجية والتي ارتكزت علي انجازات الهائلة للثروة الصناعية الثالثة (الرقمية) لتتحول إلي ثورة معلوماتية هائلة غيرت العالم اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا صنعتها هي ليستعملها غيرها. وهذه الثورة الرابعة تمثل الرقمنة الإبداعية القائمة على مزيجٍ من الاختراقات التقنية المتفاعلة عن طريق خوارزميات مبتكرة تمكن من دمج التقنيات المادية والرقمية والبيولوجية، وطمس الخطوط الفاصلة بينها أدي إلي استخدامها داخل جسم الإنسان والحيوان والنبات والجماد نفسه باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء من خلال معالجة البيانات والمعلومات الكبري .
٨- مرحلة الثورة الصناعية الخامسة (القرن ٢١-٢٢) والتي أتوقع أنها سوف تؤدي إلي الاستغناء تمامًا عن الإنسان في التعليم وجميع الأعمال بما فيها الطب والتعليم والهندسة والزراعة والقضاء، وقصر مهام الإنسان فقط علي مراقبة أعمال الآلات (الروبوتات) التي قد يتفوق ذكائها وإتقانها علي ذكاء واتقان الإنسان.
٩- مرحلة الثورة الصناعية السادسة (الذكاء الاصطناعي الشامل) والتي أتوقع أن تحدث في القرن ٢٣-٢٤ والتي اتنبأ فيها بتحول العالم تمامًا إلي عالم ديجيتال (رقمي) وافتراضي ويغلب فيه التوجه لعقاب أو مكافأة مجتمعات بعينها طبقًا لمصالح السياسات الدولية ولو بأثر رجعي. فما عدا الغذاء والشراب فسوف يحصل عليه الإنسان وهو في منزله عن طريق الذكاء الاصطناعي.
١٠- مرحلة الصورة الصناعية السابعة (التحكم الكامل للآلة) سوف يعم في هذه المرحلة التحكم الكامل للآلة في حياة الإنسان بما فيها مشاعره وقراراته الشخصية والعملية بحيث يصبح عبدًا للآلة، فيصبح هو الذي يعمل لديها وهي التي تعطيه الأوامر وتكتب عنه التقارير فيصبح فكره ومشاعره ملكا للآلة. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلي ركود اقتصادي ومعرفي وثقافي هائل قد تكون أحد آثاره الجانبية تغلب الآلة علي الإنسان واحتكاره واحتقاره، فيغضب عليها الإنسان ويتمرد عليها ويقرر الإنتقام لنفسه ليخلص من هذا القيد وهذا السجن الذي شيده بنفسه علي هيئة آلة تتصرف بذاتها. وهنا يقرر الإنسان أن يهدم نفسه وهدم المعبد بما ومن فيه مما قد يجعل العالم أجمع بما فيه العالم الأمي أن يعود إلي الوراء لنقطة الصفر.
وهنا إما أن يبدأ العالم رحلته العلمية من جديد بدون أي تكنولوجيا، أو يكون الإنسان قد وصل إلي نهايته الحتمية وتقوم القيامة.
والله أعلم
مع خالص تحياتي
د. محمد لبيب سالم
استاذ علم المناعة بكلية العلوم جامعة طنطا
وكاتب في الثقافة العلمية
وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر