الناقد رشيد مليح يكتب: سؤال الجسد وأزمة الذات..
قراءة تحليلية لقصة” دمية السليكون” للكاتب سعيد رضواني .
تقديم..
يتمظهر مكون الجسد كبؤرة دلالية وأنطولوجية هامة داخل المجموعة القصصية” مرايا” للكاتب سعيد رضواني عموما،وفي قصة “دمية السليكون”، تخصيصا،وعلى نحو أكثر دينامية وتجذيرا.
الجسد يتجاوز كونه معمارا حسيا للذات،بل يمثل مدخلا أساسا لإدراك كينونة الفرد ولإبراز القيم المجتمعية المتضاربة والمتضادة.
كيف تحضر تيمة الجسد؟
كيف يكشف فعل امتهان الجسد عن واقع تشيؤ الذات؟إن القراءة النقدية وما تحيل عليه من عملية الكتابة، عبر تحليل وتفكيك و إعادة بناء النص، هي قراءة مضاعفة للمعاني والدلالات المضمرة عبر لغة جديدة تتضافر مع لغة النص.لذلك ف”رولان بارت “،يعتبر النقد كنوع من الهدم الخلاق وإعادة البناء،يقول بارت:١”غير أن الكتابة هي،على نحو ما،أن تهشم العالم(الكتاب)وتعيد صنعه.”
لذلك فتحليل القصة/المبحث، هو محاولة لاكتشاف المضمر والضمني والمخبوء،وإضاءة أبعاد النص وجمالياته اللغوية والتعبيرية.
يتحكم في بنية قصة “دمية السليكون” زخم من الأحداث المتسلسلة والممتدة،التي تطرق وعي وحواس القارئ، وتأخذه عبر بناء دائري وكأن السرد شلال يتدفق بلا توقف، يجري اتجاه النهر اللغوي الواسع الممتد عبر مخيلة المتلقي، وتقمصه التخييلي والوجداني.
فهذه الحركية الخاطفة والسريعة للأحداث عبر الحكي بضمير المتكلم بشفافيته وحيويته،هي محاولة للتعبير عن ضياع الإنسان المعاصر في زمن الحتميات التي شيأت ذاته وسلبته فرديته وفرادته.
كأن السرد في هذا السياق، هو بمثابة بوح روحي وأخلاقي من السارد الذي يسعى إلى التخلص من عقدة الذنب ووخز الضمير ،بعد موت رفيقته خلال محاولاته اللامتناهية لنحت جسد جديد مثالي ومحلوم به،انتهى بمصير القتل الخطأ.إنه خطأ يحدث،في الواقع، بكامل القصدية الواهمة والهوس اللاشعوري!
يبدو جسد المرأة ،خلال القصة،مدخلا للفهم والوعي بالقيم السائدة في المجتمع. فهو يعكس واقع التشييء واختزال جسدها في بعد واحد،غريزي،مجرد من الروح والشعور والوعي ،وكأنها كيان دمية بلا حياة.
وعلى هذا الأساس،يسعى السارد إلى تقريب القارئ من ملامح وروح واقع الاستلاب الذي يعيشه الإنسان، والمرأة، خاصة،التي تتمظهر كنموذج لحالة الفقدان المضاعف للقيمة الجوهرية،كأن تاريخ التسلط والاستبداد مدون بحبر من دم وامتهان على جسدها منذ نشأتها الأولى،فهي لاتكاد تملك قراراتها،ولا تملك حتى جسدها داخل بنية اجتماعية وثفافية مغلقة و مهيمنة،إذ يصبح جسدها ملكا للأسرة ثم الرجل والمجتمع، باعتباره صورة رمزية لشرف طوباوي شديد الأحادية والاختزال:”العفة”.
لذلك ،فالقارئ لايكاد يسمع صوت المرأة داخل القصة، وربما كان عليه أن يصخي السمع بمشقة،لالتقاط صداها أكثر من صوتها..الصدى المفترض،الهلامي،الشحيح،الذي يتناهى إلى مسامع القارئ بعد سلسلة من التحالف المسعور للإبر والمشرط و السليكون…أي لكل تلك الأدوات المسخرة في خلق تمثل خرافي ووهمي للجسد المثال.. جسد المرأة/الدمية.
1دلالة العنوان..
*من شيئية الموضوعات إلى تشييء الذات.
يتشح عنوان قصة “دمية السليكون” بوشاح من الإيحائية والترميز،يتجاوز المستوى الظاهر، المباشر ،إلى المستوى الإيحائي الضمني.
يعتبر مكون العنوان،عموما،إحدى العتبات الهامة لفهم النص، وولوج أمدائه وآفاقه،عبر قراءة تحليلية دائرية، تخرج العنوان من انعكاساته المباشرة، للكشف عن مضمراته ودلالات الخفية.
“*٢والمهم في العنوان هو سؤال الكيفية،أي كيف يمكننا قراءته كنص قابل للتحليل والتأويل يناص نصه الأصلي؟”
تحيل الدمية على دلالات فقدان الماهية وتشيؤ الذات، فهي مجاز وصورة رمزية للكينونة في تحولها الكبير والمفصلي من الجوهرية والحرية إلى الاستلاب والفقدان، وإشارة ضمنية إلى المرأة وحضورها الإشكالي في واقع التسلط والاستبداد،عبر محاولات النمذجة والتغيير المشوه لذاتها.وذلك ينطبق على شخصية المرأة في القصة ،حيث يحاول الرجل (السارد )نمذجة جسدها عبر رؤية أهوائية،ذكورية،بالنفخ حينا،والشفط حينا آخر.
يخضع الجسد الأنثوي المتحكم فيه،إلى عمليات التجميل،و”التحريف”،إذ يتبدى حلم السارد بخيال الجسد المثال،الإيروسي،إرضاء لرغبات الذات الأنانية،إنه الحب المتعذر أو هو انفصال الإتحاد.. الحب “الرخو”أو الحب”السائل” بتعبير ريجمونت باومان.
يعد عنصر” السليكون” رمزا لماهو مصطنع وغير حقيقي،هو محاولة تجميل مأساة الجسد وطمس حالة التشيؤ.تعتبر دمية السليكون إحالة على الانتقال من شيئية موضوعات وظواهر العالم إلى تشييء الذات،وترميزها،للكشف عن الخواء الروحي والوجودي الذي يحاصرها في حياتها المتناقضة.
إن عنوان القصة المدروسة،يتخذ وظيفة إيحائية،رمزية بالأساس، يجعله قابلا للتحليل وتعدد الدلالات، مضفيا على النص جاذبية القراءة والاكتشاف ،مانحا حرية النبوءة والتوقع،أمام مخيال المتلقي.
بقراءة دائرية ،فإن عنوان “دمية السليكون”، يعبر عن بنية التحول من مستوى إنسية الذات إلى مستوى تشييئها.
بعبارة أخرى يمكن القول:العبور من صورة المرأة/الدمية،إلى الدمية/المرأة،في نهاية أحداث القصة،مايعكس،في العمق،رضوخ السارد في سياق مركب:”الجاني/الضحية”،لواقع التحول الجديد.
2تجليات الجسد..
تعكس قصة “دمية السليكون “صراعا عنيفا بين طرفي ثنائية الجوهر و واقع التشيؤ الكاسح ،الذي صارت تنزع إليه الذات الخاضعة ، وتتهاوى عبر سفحه الرهيب تلك المعاني المضيئة والقيم النبيلة.
تتمظهر صورة الذات في النص،مسلوبة المعنى والماهية،وقد انعكس ذلك فنيا على طبيعة البناء السردي والجمالي للنص.
2 /1.الرؤية العدمية الصادمة..وتتجلى في طبيعة العلاقة الإشكالية بين الشخصيات(الرجل والمرأة )،التي تبدو مجردة من تلك الحميمية والعاطفة ،خالية من مبدأ التقاسم بين كينونتين،بل نجد كينونة واحدة مهيمنة:”الرجل”،الذي يحلم بالمثال/ المحال،منعكسا على جسد المرأة وصورتها البرانية ،و محاولته فرض هذا التمثل المثالي و”المتعصب”،مع تغييب لكل الأبعاد الأخرى النفسية والاجتماعية للآخر(المرأة).
كما أن تحول الجسد إلى بؤرة للتعديل والنمذجة من خلال أفعال وممارسات الجراحة السادية، بما يحمله ذلك من تحكم وسلطوية لشخصية السارد،أضفى أجواء من الرهبة والكابوسية ،فكأنما القارئ يستشعر نفسه في حضرة طقوس تشريح للحم البشري الحي،وليس أمام ممارسة طبية تجميلية.
تتسم المجموعة القصصية” مرايا” للكاتب سعيد رضواني، وقصة “دمية السليكون “،كنموذج،بوحدة الرؤية للعالم،حيث الشعور القاهر بالوحشة والعزلة وفقدان الإحساس بالأمان و اليقينية،والبحث عن المثال المفقود.
يتحقق خطاب القصة عبر أسلوب سردي وجمالي له فرادته وخصوصيته التي تعكس ،بجلاء، هوية الكاتب.
2/2بنية التكرار الدينامي..
يغدي فعل التكرار الدلالي الدينامي، ويببئر الزوايا الدلالية الظلية والمضمرة داخل سيرورة الأحداث:”المشرط،المقص،الجسد، السليكون،الحجرة البيضاء، البيت،الجرو الذي يصارع ويشاكس السارد عن غيرة غريزة كما يبدو، أو إدراكا خفيا لنوايا الرجل المخبوءة،الكلب الذي ينبح ويتصادى نباحه من الزمن البعيد،وهو صورة مجازية لضمير الذات في شعورها الشائك بالقلق والفقدان.. ”
إنها كلمات بؤرية تتشابك وتتصادى فيما بينها على مدار الحكي..كما تتكرر عمليات التعديل والحفر والنحت في جسد المرأة/الدمية،عبر دائرية زمنية تبدأ من العام الأول،لتتواصل عبر العام الثاني ثم الثالث،ليعبر السارد الزمن بقفزة هائلة آخذا معه القارئ إلى زمن مستقبلي مختزل،في لمح البصر:عشر سنوات.
تعكس بنية التكرار الدينامي والمحرك لسيرورة السرد بشكل سريع ،متنام،حالة القلق النفسي والأنطولوجي،التي يعيشها السارد، ورغبته الهاجسية في هيمنته على الصورة المنفلتة للجسد الأنثوي المثال،الخاضع لتبعية النمط وسلطة الوهم الذكوري.
3/2 البناء المركب الدائري ..
تبدأ أحداث القصة عبر تقنية الاسترجاع حيث ينتقل السارد من الحاضر المأزوم إلى أفق استرجاع أحداث الماضي التي وقعت ذات صيف مضى.
“٣من نافذة الزنزانة أنظر إلى السماء، تدعوني زرقتها إلى معانقة الحرية فأعانقها تحت سماء صيف ولى.”
القصة تبدأ من خلال النهاية،ليتواصل فعل الحكي الماضوي كاشفا عن التفاصيل وعن طبيعة العلاقة المركبة التي تجمع بين السارد ورفيقته.
إنه اختلاف بل تصادم الرؤية الوجودية بين الرجل والمرأة، ففي الوقت الذي كانت تبحث فيه المرأة عن الاستقرار داخل مؤسسة الزواج،كان السارد يطارد خيالاته الاستيهامية بحثا عن جسد مثالي موهوم، داخل الجسد الحقيقي البائس للمرأة.
إن الدائرية لا تعني الانغلاق النمطي، المطلق،للأحداث بل هي تضاعف حالة الانحباس المادي والرمزي للشخصية الرئيسة ،التي وجدت ذاتها محاصرة خلف نافذة الزنزانة،بعد اقتراف جرم القتل الخطأ الذي صنعته خيالات صورة هلامية وزائفة اتجاه المرأة/ الحلم.
تعبر النهاية عن بنية التحول من مستوى تشييء الإنسان :”المرأة/الدمية،إلى مستوى أنسنة الأشياء:”الدمية/المرأة.
يكسر التحول الكابوسي تلك الدائرية المغلقة النمطية، عبر مشهد مصيري مأساوي للسارد ،مذعنا لواقع الانهيار القيمي، وبالتالي العبور من الحياة مع الآخر/المرأة،إلى الحياة مع الآخر/الدمية التي ظلت هي العزاء الوحيد لذات محطمة،فاقدة للمعنى،يأسرها الزمن الدائري المهيمن.يقول السارد:
“*٤أفكر في الأسر،فتدعوني طقوسه المميتة إلى حجرة باردة،إلى حيث أجلس الآن بين جدران يجتاحني فيها على الدوام نباح كلب غريب كأنما هو آت من زمن بعيد، وتؤنسني فيها دمية من الألياف والسليكون…”
يشكل مشهد النهاية داخل الزنزانة،بداية استرجاعية للأحداث، ليتم العودة في الاخير،إلى ذات المشهد،الذي هو بداية النهاية المستعادة،ضمن بنية من التنامي والصيرورة.
3 الذات،،وانهيار النسق القيمي..
*ثنائية الجلاد والضحية
تعيش الذات في قصة دمية السليكون أزمة وجود ومعنى، فالسارد الباحث عن الحقيقة الواهمة ،أو سراب الجسد المتخيل، تقوده أوهامه النرجسية إلى تدمير الآخر المرغوب، ومن ثمة ،الانتهاء داخل زنزانة واجمة تسودها ظلال القنوط والنوسطالجيا اليائسة،بالمقابل تبرز الذات المتصدعة، الموازية، ذات المرأة رفيقة السارد وهي تنسج هويتها الملتبسة من قيود عجز وضعف الضحية.
إن شخصية السارد تتسم بنزعة السادية ،وبرغبة التحكم في جسد الضحية وإيلامه: (المقص،المشرط،الحقن.. )وفرض السيادة عليه عبر النمذجة الاهوائية للرجل (السارد )،واعتبره أقل وأضعف،وفي ذات الآن،فإن رد فعل الضحية يظل غائبا أو منعدما،وكأنها تذعن ،ضمنا،لهذا الدور القدري والحتمي الذي أناطه بها شريكها الرجل.
إنها مازوشية تعلي من مكانة الجاني الجلاد،وتجعل الضحية تصلب ذاتها على لوح الخضوع ،محو الذات من أجل الآخر القوي والمهيمن.*٥”الساديةفي الأصل عدوان قبل أن تكون جنسا، والمازوشية معاناة مادية وجسدية ومعنوية قبل أن تكون تلذذا بالألم ،كما كان يشيع من آراء،وأهم من المازوشية المادية المازوشية المعنوية، أي وضعية الرضوخ والاستسلام للمهانة والتسليم بالضعف الذاتي وبسطوة السادي.”
تعيش المرأة الصامتة/المصمتة،الظاهرة/الخفية،حالة استسلام قهري مفروض عليها من الرجل بحثا عن اللذة المشتهاة أو عن تلك الصورة الاستيهامية الشهوية المحلوم بها،عبر ما بتم الترويج له من خلال الإعلام المعولم،وعبر النماذج الممررة والمسوق لها كأيقونة للجمال والإثارة الحسية،حيث يتحول مفهوم الجمال من كونه سمة متعالية موهوبة ،لايتحكم فيها البشر، بالضرورة، إلى منتوج مصنع، يتجاوز الحدود ويخترق الخصوصية الثقافية والحضاربة التي تجعل من مكون الجمال،في الأساس، مفهوما نسبيا،مطبوعا بالتعدد والتنوع.
لاشك أنها الرغبة المحمومة للرأسمال المعولم الجشع للتأثير في الحقيقة..حقيقة الجمال وجمال الحقيقة.*٦”في البداية هناك اختزال للمرأة إلى حدود جسدها،واختزال لهذا الجسد إلى بعده الجنسي :المرأة مجرد جنس،أو أداة للجنس ووعاء للمتعة.هذا الاختزال يؤدي مباشرة إلى تضخم البعد الجنسي لجسد المرأة بشكل مفرط.”
لقد قتل الرجل المهووس بأحلام الجسد كينونة المرأة ماديا ورمزيا، حين جعل منها عجينا طينيا مجازيا قابلا للتشكيل والتنميط،حسب هوى وقصدية سيكولوجية مهووسة، أمارة بخيال الشهوة المثال..أو النموذج المستحيل نازعا من شكلها نسغ الروح.
يحضر الصوت الخفي/المخفي،الغائب /المغيب للمرأة،في قصة دمية السليكون، في صورة خفوته،واستسلامه،دون أن يلحظ القارئ، أي أثر للتمرد والثورة على نظرة الرجل الحسية والتشييئية.لكن متى كان للدمى الحق في تقرير مصائرها؟!
فكأنما الكاتب يحاول أن يومئ للمتلقي،في سياق اجتماعي متطرف و تراجيدي،بالوضع الإذعاني ،الانتكاسي،للمرأة في واقعنا المعاصر.
بل هي محاولة بلورة الصورة السلبية للمرأة/الجسد،المرأة/الأداة، النمط الشهوي،المجرد من حرية الإرادة والاختيار ،بغاية الوعي بالظاهرة والسعي نحو التفكير والفعل لتعديل الواقع الموبوء.
إن مشكلة الرجل (السارد )في القصة،هي أنه لايريد رفيقته (المرأة) كما هي في الحقيقة ،بل كما يريدها هو أن تكون ،كما تشاء وتنزع أهواؤه، كنوع من التبرير النرجسي لممارسة التسلط وإلغاء حرية الآخر.
يتخذ واقع الاستلاب وانهيار قيم الذات،اتجاهين مختلفين في الواقع:أ/،المرأة المذعنة،وهي غائبة/مغيبة،خاضعة لأشكال متسارعة ومتنامية من التغيير والتشويه لشكلها الخارجي..الجسد بمختلف تفاصيله الحسية والغريزية،فهي تفتقد حرية التصرف في جسدها الشخصي الذي هو بؤرة هويتها،وقد صار تحت سلطة الرجل.
الجسد مفتاح لهوية الشخصية ودال عليها،كما هو مقام الكينونة الرمزية التي يعيشها الفرد.
هكذا فالمرأة الخاضعة لعملية تجميل هوسية،تشويهية، تحرف وتشيء ذاتها،من طرف الرجل الذي يسلبها أحد أهم خصائصها الهوياتية:الجسد.
الحال نجد صوت المرأة شبه منعدم،وكأنها تعلن عن إذعانها الضمني المسكوت عنه، لسلطة الرجل،تدفعها في ذلك أحلام ووعود الانخراط يوما في مؤسسة الزواج.
وضعية مازوسادية،يتقاسم من خلالها الرجل و المرأة معا،عملية التدمير الغيري والشخصي للذات ،باعتبارهما شريكين في استراتيجية التناقض :القوة العمياء والعجز الأخرس!
ب/الرجل المتسلط، المسلوب بهاجس التملك للجسد و الاستحواذ عليه، عبر هوس امتلاك النموذج المثال والواهم، للجسد الأنثوي.يعيش السارد عقده النفسية الغامضة و اللاواعية،باعتباره شخصية مركبة،ملغزة،متسلطة، مأخوذة ببريق النموذج السحري،والفانطاستيكي للجسد،في استيهاماته الشبقية والبدائية.
إن سادية السارد تعبر عن خوف ما،نقص ما،إخفاق أخلاقي ،ينبع من مازوشية مستبطنة وعكسية،فكل سادي هو كائن مازوشي إلى حد كبير،كما أن كل مازوشي قد يستحيل إلى كائن سادي،يوما،في عملية إعادة إنتاج للقيمة الأخلاقية السلبية والسلوك المنحرف والمتطرف.يقول رينيه جيرار*٧”إن السادية هي التحول “الجدلي”للمازوشية ،إذ يختار الشخص الراغب،وقد أعياه دور الضحية، أن يصبح جلادا.”
إذا كانت المرأة شريكة السارد في وضعها الإذعاني، المازوشي،فهي تحاول أن تعبر، عبر خضوعها الكامل ،عن نبل أخلاقي ما،يتمثل في إفناء الذات في سبيل الآخر المتسلط/المرغوب*٨:”أما المازوشي فيدرك هذه العلاقة الحتمية بين المصيبة والرغبة الميتافيزيقية،ومع ذلك لايتخلى عن هذه الرغبة.كما يختار،وبمفارقة ملفتة أكثر من المفارقات السابقة،أن يرى في العار والفشل والعبودية علامات الألوهية والشرط اللازم لأي نجاح ميتافيزيقي..”
فالشخصية المازوشية لا تحيل على ماهو غريزي،جنسي،بشكل آلي ونهائي،بل تمثل وضعية اجتماعية معقدة،تحاول فيها المرأة إرضاء الرجل،في سياق من التراتبية والميز،تعبر عنه منظومة القيم التقليدية،التي تبدو أنها تكرس وتبجل مبدأ الخنوع الأعمى.
سؤال الجسد وأزمة الذات..
قراءة تحليلية لقصة”دمية السليكون”، للكاتب سعيد رضواني، (الجزء الأخير)
4/الفضاء وعدمية الكينونة..
لعل عدمية الفضاء التي تجثم على الأمكنة في قصة “دمية السليكون” ،هي انعكاس جلي للرؤية العدمية للسارد،ونتاج للبنية العلائقية المعقدة
بين الشخصيات:السارد والمرأة والجرو الساخط والناقم ضد الرجل.هذا الثالوث العلائقي يبدو ملتبسا،حيث يهيمن الشك واللايقين وغياب القيمة الوجدانية والمعنى.
إن الحضور المادي والرمزي الموحش والهلامي للفضاء:(الزنزانة، الحجرة البيضاء، البيت…)تطبعه سمة من الغموض والحياة مجهولة المصير،وتغلغل أطياف الموت والندم الملاحقة للشخصيات،مما يدفع القارئ إلى التوسل بآلية التأمل والحدس،إزاء تفاصيل وأبعاد الفضاء عله يلامس كلية الوجود وجوهر الحقيقة،إنه الفضاء اللابعدي،متعدد الأبعاد،و المتجاوز لكل الأبعاد،في آن.*٩إن الموجود ضمن الفضاء اللابعدي ذي العلاقة الخالصة هو الذي لا يموت،هو اللاميت،اللاحي،الخالد،إنه يمنحنا الاحساس بكوننا خارج الحياة أو الموت.كل فن عظيم يهتم بهذه اللحظة اللازمنية بين الانسان و كونه.”
أ/الزنزانة:نموذج لفضاء دائري، يحكمه الزمن الاسترجاعي،يمثل بؤرة لمشاعر الندم والحسرة واليقين الخائب للسارد بانكسار زخم الرؤى الاستيهامية.
ب/الغرفة البيضاء:يكتنفها الغموض واللاتحديد ،مما يحرك حاسة التخييل والتأويل عند القارئ.لون الغرفة البيضاء،يرمز إلى بياض الكفن،وموت العلاقة بين الرجل والمرأة،إنها فضاء تمهيدي لحدوث جريمة القتل العبثي الذي سينقل السارد إلى فضاء آخر،أقصى و تراجيدي:الزنزانة.
يقول السارد :*١٠”أجمل الوجه فيترهل البطن.أجمل البطن فتترهل الأرداف.أجمل الأرداف فتترهل السيقان،أجمل السيقان فيتغضن الوجه…صراع دؤوب بين المشرط والزمن في غرفة بيضاء شهدت عبث جراح بجسد امرأة…”
ج/البيت:يظهر مكون البيت في القصة فضاء خاليا من سمات الدفء،والحميمية،والروح الواحدة المتآلفة بين أفراده،بل يرتبط باستمرارية الرغبة المبيتة في أعماق الرجل بإعادة تشكيل ونحت جسد المرأة،.البيت،في هذا المقام، هو فضاء استراحة مؤقتة من جحيم العمليات المتلاحقة المتحققة، سلفا بفضاء الغرفة البيضاء القاتلة.
لعل هذه الروح الملغزة، الغائمة والموحشة،التي تحتل الأمكنة تجعل منها حيزا لامتناهيا محملا بقيمة نفسية ورمزية صميمة،تحيل على الإحساس بالواقع العدمي والغرائبي للفضاء.
خاتمة..
لقد استطاع الكاتب سعيد رضواني،من خلال قصة “دمية السليكون “،أن يعبر بعمق وبجلاء بليغين، عن واقع التشيؤ والخواء الروحي الذي طال الذات في زمن صاخب تحكمه حتميات مستجدة، كالعولمة والطفرة الرقمية،بما شهده ذلك من تحولات تجسدت في تفكك صلابة العلاقات الاجتماعية ،وهيمنة القيم المادية الاستهلاكية على حساب القيم الرمزية والرفيعة،وفرض النموذج الواحد،المنمط ،شاملا مظاهر وأنماط الذوق والجمال والتفكير والعيش،كما اختزل الزمن الافتراضي فعل التواصل، عبر شاشات إلكترونية تكاد تمحو اليوم صورة التواصل الانساني الفعلي والحي،فتبدد ذلك الدفء الانساني بين الأفراد،وبين قطبي نواة المجتمع: الرجل والمرأة تحديدا، واختفى الحب كشعور إنساني محض،وحلت محله النزعة الأنانية والسلطوية.
يتراءى السارد،في حمى أحلام القبض على الجسد/الخيال، و هو يحاول الهروب من ضعفه المتجذر و المضمر،متحولا من مازوشية دفينة إلى سادية ظاهرة ومعلنة،لفرض النموذج الجمالي والأهوائي على جسد الآخر:المرأة.
الحقيقة أن نموذج المرأة/الحبيبة أو المرأة/الخليلة،أو المرأة/ المثال و الوهم…(نلاحظ أن الصفة الواحدة أمر يكاد يكون متعذرا،وذلك لطبيعة العلاقة المركبة والملتبسة بين السارد ورفيقته.)،يمثل مدخلا رمزيا للكشف عن الثنائيات الضدية المجتمعية والوجودية:الحقيقة والوهم،الأصالة والزيف، تعدد ونسبية الحقيقة ،في مقابل،الرؤية الأحادية المتصلبة للأشياء.
لاشك أن استعارة “دمية السليكون” باعتبارها إحالة على صورة الكيان الزائف، قد لا تنطبق فقط،على المرأة في تشييئها،بل تنسحب الصورة الاستعارية أيضا، وبشكل جوهري، على معتقدات الرجل (السارد )،ذلك أن أفكاره ورؤاه كما تبدو، لم تكن حقيقة صائبة،بل بالأحرى،كانت ضربا من الوهم والزيف، الذي ألقى به إلى جحيم الندم والحسرة داخل زنزانة.
يمكن القول:إن المرأة/الدمية لاتتشكل وحدها،من نسغ السليكون،بما يتضمنه من دلالات الوهم والانتحال،بل كذلك رؤية السارد للعالم وطبيعة العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة في مجتمع يعاني وطأة الواقع الزائف.
إن” النزعة السليكونية” باتت ،تنخر في أكثر الأشياء والقضايا عمقا وحميمية،لتتجاوز بذلك مفهوم الجسد، فتشمل الذات والقيم و المشاعر والرؤى.
لكل ذات مشيأة،قوة خارجية مشيئة لها،ولكل كائن مقهور واقع قاهر وأن الجلاد والضحية يتقاسمان معا تاريخا نفسيا واجتماعيا إشكاليا،يشكل الظاهرة المعقدة:( القهر والإذعان)،ليعيدا إنتاجها ضمن علاقة
باتولوجية،استنفذت انسانيتها؛ الحتميات المجتمعية والكونية المستجدة والمتجذرة.
الحال أن نهاية القصة هي نداء صارخ في صمته وعدميته، ليبرز معنى الإفلاس الرمزي والقيمي للشخصيات :(الرجل والمرأة)،حيث تموت المرأة/الدمية لتحيا مكانها الدمية/المرأة،في علاقة استبدالية،بين الذات وسلطة الأشياء.
هوامش:
*١رولان بارت،” النقد والحقيقة”، ترجمة إبراهيم الخطيب، ط ١،دار النشر الجمل ٢٠٢١،(ص ٦٤)
*٢ عبد الحق بلعابد، عتبات (جيرارد جينيت من النص إلى المناص)ط٢٠٠٨،١،الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.(ص ٦٧)
*٣،سعيدرضواني، مرايا، قصص، نشر الراصد الوطني، سليكي أخوين، ط٢٠٢٠،٣،(ص٢٩)
*٤،نفس المرجع( ص ٥٣)
*٥مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي(مدخل إلى سيكولوجية المقهور )،المركز الثقافي العربي، ط٩ ٢٠٠٥ (ص ٨٨)
*٦نفس المرجع( ص ٢١٤)
*٧رينيه جيرار،الكذبة الرومنسية والحقيقة الروائية ترجمة رضوان ظاظا..نشر،كتابكم للنشر والتوزيع .ص،٢٢٨
*٨نفس المرجع،ص،٢٢٠
*٩ جوزيف. إ.كيسنر..شعرية الفضاء الروائي،ترجمة لحسن احمامة،افريقيا الشرق،٢٠٠٣
*١٠ سعيد رضواني، مرايا، قصص،(ص،٣٤).(مرجع سابق)
المصادر والمراجع:
1,جوزيف. إ.كسنر، شعرية الفضاء الروائي، ترجمة لحسن احمامة، افريقيا الشرق،٢٠٠٣
2، رولان بارت ،النقد والحقيقة، ترجمة إبراهيم الخطيب، ط ١،دار النشر، الجمل،٢٠٢١.
3,رينيه جيرار، الكذبة الرومنسية والحقيقة الروائية، ترجمة رضوان ظاظا، نشر،كتابكم للنشر والتوزيع.
4,سعيد رضواني، مرايا، قصص، نشر الراصد الوطني، سليكي أخوين، ط٣، ٢٠٢٠
5,عبد الحق بلعابد، عتبات،(ج،جينيت، من النص إلى المناص )،الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.ط٢٠٠٨،١
6,مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي، (مدخل إلى سيكولوجية المقهور )،المركز الثقافي العربي ط٩ ،
٢٠٠٥
