
تَبَصُّراتٌ في الشِّعْرِية والشِّعْر 7/7
بقلم/الدكتور عبد الرحمن بسيسو
الشّعرُ، ونقدُ الشّعر
ليس للدّراسة اللُّغوية السّطحيّة الصّرف للشّعر أن تُنتج نقداً شعريّاً، معياريّاً ومنهجيّاً، يُمكّنُنا من استيعاب الشّعر، وفهمه، والتّلذُّذ به، والتقاط رسائله، واستشعار تحفيزاته، واستبقاء مُتعته المُتجدّدة مع مُداومة قراءاته، أو الاستماع إليه. وليس لمثل هذا النّوع من الدّراسة، مهما تفرّع، أن يُسهم في تمييّز جيد الشّعر عن رديئه، أو عمّا تُسميّه أسئلةُ مجلة “الجديد” الاستكشافية الموجهة للشُّعراء بـ”الكتابات الخرقاء”، قاصدة غثَّ النصوص والقصائد التي يُزعَمُ أنها تنتمي إلى جنس “الشِّعر”، وتُقَدم تجلياً نصيٍِّّاً من تجلياته الجمالية المفتوحة على التنوع والثراء.
ولهذا القول، إن أُخذ به عبر إدراكٍ حصيفٍ لمفهوم “اللُّغة” في عُمقه واتّساعه وشُمُوله، أن يُوجب تمييز “نقد الشّعر” ليس عن الدّراسة اللُّغوية اللَّفظيّة السَّطحيَّة الصِّرف، المُستهدية بعُلوم اللّغة العربيّة المعهُودة توارُثاً: نحواً، وصرفاً، واشتقاقاً، وبلاغة، وبيانأً، وبديعاً، وعروضاً، فحسبُ، وإنّما عن كُلّ “دراسةٍ” تستهدي بنظريّةٍ أدبيّةٍ وحيدةٍ، وبمنهجٍ نقديٍّ مُفردٍ، في دراسة الشّعر ونقده.
وما لهذا التّمييز أن يكون إلَّا تمييزاً يصُبُّ في صالح اللُّغة والشّعر في آنٍ معاً، لكونه يتأسّسُ، ابتداءً، على فهمٍ عميقٍ لمفهُوميِّ كليهما، وعلى وعيٍ مُؤصّلٍ يُدركُ ما هُو منظور ومُدركٌ في تجليّاتٍ شعريّةٍ مُتحقّقةٍ، من مُمكناتهما الإبداعيّة، ومن آليات تفاعُلهما الجماليِّ الرّؤيويِّ المُتواشج بلا توقف أو انقطاع، ولكونه ينفتحُ، مع هذا الابتداء وأثناءهُ وبعدهُ، على سعي دائبٍ لإدراك ما لم يُدرك بعدُ من هذه ومن تلك، ولاسيّما حين يتفاعلُ الشّعرُ واللّغةُ الشّاعرةُ في وجدان الشّاعر المُبدع المسكُون بهما ليُنشئا في رحابه نصّاً شعريّاً جديداً قد يأتي مسكُوناً بمُمكناتٍ إبداعيّةٍ وآليّاتٍ تفاعُلٍ ؤيويٍّ وجماليٍّ ليست معهُودةً، ولا موروثةً، وربّما لم تكُن موجُودةً، أصلاً، إلّا كإمكانيّةٍ جماليّةٍ رؤيويّةٍ مُجرّدةٍ، منحها النّصُ الشّعريُّ الجديدُ وُجُوداً فعليّاً إذ جسّد وُجُودها فيه، فأوجدها في الوجُود بصحبة ما جلّتهُ من خفائهِ، او أبانته من غموضه، اللذين تجلت هي نفسها، وبانت، فيهمَا!
وإلى ذلك، ستبقى الدّراسةُ اللُّغويّةُ المُعمّقةُ المُستهديّةُ بمفهُوم اللّغة العميق بشُمُوليّته وبشتّى أبعاده المعرفيّة والوُجُوديّة، ولاسيّما الرّؤيويّة الجماليّة والفكريّة الفنّيّة منها، رافداً ضروريّاً من روافد “نقد الشّعر” الّتي لا يكتسبُ أيٌّ منها فاعليّتهُ النّقديّة إلّا باندماجه التّفاعُليّ الزّاخر مع مُكوّنات منظُومةٍ منهجيّةٍ مُتكاملةٍ من المنظُورات والآليّات والإجراءات المنهجيّة الّتي “يُملي” النّصُّ الشّعريُّ، أو القصيدةُ، إعمالُهَا على نحوٍ يكفُلُ إجادة استقباله، واستيعابهُ، وفهمهُ، والتقاط جماليّاته، ومُلامَسةِ رُوحه، وبُلُوغ أعُلى ذُرى المُتْعَة الجماليّة النّاجمة عنهُ، بقدر نُجُومها عن قراءاته التّفاعُليّة، وعن نقده المُستجيب لكيفيّات إنشائه المُتبدّية في العلاقات القائمة، والمُمكنة، بين عناصره، ومُكوّناته، وأمشاج بُناهُ المُنتجةِ كينُونَتَهُ الجماليَّة المعرفِيَّة الكُلّيّة المُلتحمة.
ونحنُ إذ نقولُ، مُستلهمين تجاربنا النّقديّة المُباشرة في نقد الشّعر، ومُتابعين تبصُّرات شُعراء عديدين في تجاربهم الإبداعيّة، وخُلاصاتٍ جماليّةً أصّلها نُقادٌ مرمُوقُون، وفلاسفةٌ جماليُّون، وعُلماءُ جمالٍ ونفسٍ، وغيرهُم من منتجي المعرفة ذات الصِّلة: إنّ النّصّ الشّعريّ والقصيدة يُمليان منظُوراتٍ وآليّاتٍ وإجراءاتٍ منهجيّةٍ لا يلتقطُها منهُما إلا ناقدٌ حصيفٌ ولماحٌ لكونه لم يُسلم زمام نقده الشّعر لمنهجٍ نقديٍّ وحيدٍ اعتنقهُ فصار “تابعاً” لهُ، فإنّما نُنهضُ هذا القول على حقيقة أنّهُما، أيّ النّصّ الشّعريّ والقصيدة، يُوجّهان النّاقد إلى بلورة منهج نقديٍّ تكامُليّ يخصُّهُما، ويلائمهُما، في تصوُّره، أكثر من سواهُ. وكأني بهما يبُثّان إشاراتٍ لَمْحِيّةٍ، ويُطلقانِ بُرُوْقاً، تُرشدُ النّاقد إلى اعتماد هذا المنظُور النّقديّ وترك ذاك، وإلى إعمال هذه الآليّة النّقديّة وترك تلك، وإلى تفعيل هذه السِّلْسِلة من الإجراءات النّقديّة وترك سواها.
وقد يكُونُ هذا المنهجُ مُؤسّسا على أخذٍ وتركٍ لمنظوراتٍ وآليّاتٍ وإجراءاتٍ تضمّنتها مناهجُ نقديّةٌ معرُوفةٌ ومُتداولةٌ، وغالباً هُو ما يكُونُ كذلك، غير أنّ لنُصُوصٍ شعريّةٍ وقصائد فريدةٍ ومُتميّزةٍ، جديدةٍ وحداثيّةٍ، أن تُملي على النّاقد بلورة منهجٍ نقديٍّ سيبدو، مثلها، فريداً ومُتميّزاً.
هكذا، إذن، يكونُ للنّاقد أن يُنشئَ النّصّ النّقديَّ المعرفيَّ المُوازي للنّصّ الشِّعريّ، أو للقصيدة، المُوازيين، مُوازاةً إبداعية: جماليّةً، ورؤيوية، الواقع الاجتماعيّ الخارجيّ (البشريّ والإنسانيّ بأوسع معانيه) والوجدانيّ الدّاخليّ اللَّذين عن الرُّؤية الشّاعريّة إليهُما نشآ في النَّصِّ وتَشَكَّلا معاً، فيكُونُ للقارئ المُتفاعل، ولا سيما القارئ النَّاقِد، أن يُبلور لنفسه، مُستلهمَاً كلا النّصّين ومُتفاعلاً معهُما، نصّاً ثالثاً يخُصُّهُ، وذلك على نحوٍ يفتحُ إمكانيّة تعدُّد النُّصُوص على ما لا يتناهى من الولادات الّتي تتكوّنُ أجنّتُها في رحم النّصّ الشّعريّ الأصل الّذي سيكونُ كُلُّ نصٍّ نقديٍّ رصينٍ استنبط منه فوازاهُ، بمثابة وشيجةٍ من وشائج مُشيمة ذاك الرّحم التي تُغذي الأجنّة المتكاثرة بقدر تكاثًر القراءات التّفاعُليّة الخلّاقة.
ومع حُضُور الشّاعر المُبدع حُضُوراً، رُؤُيويّا، أو رُؤياويّاً، جماليّاً، في النّصّ الشِّعريِّ الّذي كتبتهُ أصابعُ وجدانه الكُلّيِّ، نكُونُ إزاء الرُّباعيّة الإبداعيّة الخالدة، أو رُباعيّة العمليّة الإبداعيّة الّتي لم يُوجدها، ولن يُوجدها، أمرٌ سوى وُجُود الشّاعر المُبدع وانبثاق مُحفّزاتٍ وجدانيّةٍ أخذتهُ إلى كتابة النّصّ الّذي كان لوجُوده أن يُوجد النّاقد والمُتلقّي، كقارئين، كُلٌّ بطريقته، للنّصّ الشِّعريّ الأصل، الّذي لولاهُ لما وجد أحدٌ من أطراف تلك الرّباعية الإبداعيّة، ذلك أنّ الشَّاعر نفسهُ لا يُوجدُ، ولا يكونُ شاعراً، إلّا في النّصّ الشّعريّ الّذي يُبدعهُ مُجلّياً فيه، وجدانيّاً وجماليّاً، ذاتهُ القائمة والمنشُودة، وتجربته الحياتيّة الوجُوديّة، ورُؤيتهُ للعالم التي تنسحبُ على الواقع القائم والواقع المنشُود، وعلى الحياة والنّاس والوجُود، وعلى كُلّ أمرٍ وشيءٍ وعنصرٍ يُستدعى كمُكَوِّنٍ ليُدْرَجَ، على نحو تفاعليٍّ مع مكونات أخرى، في تكوين النصِّ الشِّعْريِّ، سواءً أكانَ هذا المُكَوِّنُ غامضاً سيوضع في النص قيد التَّوضيح والكشف أم جليّاً سيكون قيد التبصُّر، والتَّحليل واكتشاف المستويات والأبعاد، والنقد.
وسيكُونُ لنا، مع نُهُوض النّاقد، عبر هذا النّهج النّقديِّ النّصّيِّ التّكامُليِّ، والحُرِّ في آنٍ معاً، بتجلية الرُّباعيَّة الإبداعيَّة عبر تحقُّق حُضُورها الحَيَوِيّ موّاراً في نصّهِ النّقديِّ النّاهضِ أساساً سعيٍّ دؤوب ومُثابرٍ لِتَعرُّف مكوّنات وآليات العمليّة الإبداعيّة، وكيفيَّات اشتغالها الّتي أنتجت النّصّ الشّعريّ المنقُود، وذلك على نحو يُمَكِّنُهُ، كناقدٍ رصينٍ، حصيفٍ ولمّاحٍ، وموسُوعي المعرفة، من “عيش الحالة الوجدانيّة الشّعريّة” التّي عاشها الشَّاعِرُ المُبْدِعُ، والتي في رحمها تخلّق النّصُّ الشّعريُّ، وولد مكتُوباً بأصابع وجدان الشَّاعر الذي اختاره الوجود لعيش تجربته وكتابته وبثِّه في النّاس،.
وما من أمرٍ يتيحُ صوابية، وسلاسة تفكيك النَّصّ الشعريِّ المقروء ليُنْقَدْ، ويؤهلُ النَّاقدَ أفضل تأهيل لإعادة تركيبه بعد تفكيكية على نحو يُمَكِّنُهُ من اكتشاف جماليّاته، وتأويله تأويلاً جماليّاً ودلاليّاً في تواشُجٍ صميميٍّ، إلا تمكن القارئ الناقد من عيش التجربة الحياتية الوجوديَّة الإبداعية التي عاشها الشاعر المُبْدِعُ وعنها تمخَّص النَّصُّ الشعريُّ. وما من مدخل لعيش هذه التجربة إلا متابعة قراءة النص، مراراً وتكراراً، من منظورات استكشاف وزوايا تبصُّرٍ، متنوِّعة ومتغايرة. وسيكونُ لنا مع نُهُوض النّاقد بهذا الّذي أوردناهُ للتّو، أن نُوازي الرّباعيّة الإبداعيّة برباعيّةٍ وُجُوديّةٍ كُلّيّةٍ هي الّتي أوجبت وجُود “الشّعر” الّذي هُو، في جوهره، “جوهرُ وجدان الوجُود الإنسانيّ”.
وما أقطابُ هذه الرّباعيّه، الوجوديَّة في التّصوُّر الّذي يُوزِّع العالم الذي هو ثالث أقطاب الثالوث الوجودي الذي سبق أن بلورناهُ، إلى قطبين، والذي أحسبُهُ مُؤصّلاً بما يكُفي، إلاّ “الأرضُ” بكامل حُضُورها الطّبيعي وبكُلّ مكنُوناتها ومُكوّناتها وكائناتها، وإلّا “الواقعُ البشريُّ” بكُلّ تناقُضاته وصراعاته وأفراحه وأتراحه ومهازله ومآسيه، وإلّا “الحياةُ” في صيرُورتها وبكُلّ حالاتها وأحوالها، وإلّا “الوجُودُ الكُلّيُّ” جليّاً وغامضاً، وبكُلّ مداراته الجليّة والخفيّة، وبنداءاته وأشواقه ورسائله الّتي لا يُحسنُ الإصغاء إليها، ولا يُحسنُ تلمُّسها والتقاط لُبّ جوهرها، إلّا شاعرٌ إنسانٌ “يحيا شعريّاً على الأرض”، فيُحسنُ الإصغاء والتّلمُّس والمُهامسة، وينهضُ، برهافةٍ شعريّةٍ مُجنّحةٍ، بتجلية ما خفي من وُجُودٍ حيويٍّ غيّبتهُ عن وعيّ جَشِعِي البشر ومُتوحّشيهم حُلكة نُفُوسهم، وسوداويّة غرائزهم، وأخفتهُ عن أنظار الإنسانيين من غير الشُّعراءِ من النّاس، أنوارُ الوجُودِ ذواتُ السُّطُوعِ الباهر والكفيل بقلب الشيء إِنْ تجاوز حدَّه إلى نقيضه، وذلك في انتظار لحظة نداء شاعرٍ سيُناديه الوجُودُ نفسُهُ ليُجلّي وُجُودها على الأرض، وفي حياة النّاس، وفي “الواقع البشريّ”، وفي أثير الوجُود، عبر النّصّ الشّعريّ الّذي اختار الوُجُودُ نفسُهُ شاعرهُ، وعلى أصابع وجدانه الكُلّيّ أملاهُ: حروفاً، وكلماتٍ، وجملاً، ومتواليات نصيَّةٍ، وصوراً شعريةً، واستعاراتٍ، وتشبيهات، وكناياتٍ، ومجازاتٍ، وصيغاً بلاغيًةً مُتنَوِّعةً، وتنغيماتٍ موسيقية، إيقاعاتٍ، ونبرات صوتٍ، وأساليب قولٍ وبلورة وإنشاءٍ وتكوين!
وإنّي لأحسبُ أنّ في ما قد توخَّت هذه المُقاربةُ أن تُضيئهُ وهي تُحاورُ، على نحوٍ جليٍّ، أو مُضمرٍ، إجابات من أجاب من الشُّعراء، عن سُؤالِ مجلة “الجديد” عن راهن العلاقة بين “الشّعر والنّقد العربيّين”، أن يُفصح عن أبرز مُكوّنات استجابة نقديّةٍ مُقترحةٍ من قبلي، وربّما تكُونُ في حاجةٍ إلى مزيدٍ من التّعميق المعرفي والتّأصيل الجماليّ، لما أبدوهُ، إلماحاً، من تَبَصُّراتٍ، وتصوُّراتٍ، وأفكارٍ، وآراء، ولما قدّمُوهُ من توصيفاتٍ تشخيصيّةٍ، ومن وصفات علاج تُمليها “تشوُّهاتٌ” تملأُ وجه هذه العلاقة ببُثُورٍ تُشوّههُا، وتُنافي طبيعتها الواجبة الوجُود، فتُفكّكُها، وتجعلُها غير ذات معنىً، وتجعلُ تركها والاستغناء عَنها من قبل الشُّعراء حاجةً تُمليها الحاجةُ الوُجُوديّةُ إلى مُواصلة كتابة شِعْرٍ هُو الشِّعْرُ فِي أجْمَلِ تِجَلِّيَاتِهِ المُؤَهَّلَةِ لاسِتَضَافَةِ الْحَيَاةِ والإنْسَانِ والأرض والعالم والْوجُودِ الكلِّيِّ، وتَجْلِيِةِ ما يمور في وِجْدانِ الشاعر المُبْدعِ الَّذي هُو، على مدى بُرْهَاتِ انهماكه في إبداع نصِّه الشِّعْريِّ، وجْدانُ الْوجُودِ الْكُلِّيِّ الْقَائِم عَلَى تفاعل أقطاب الثَّالُوثِ الوجودي الْخَالِد: الذَّاتُ الإنسانيةُ الجَوْهَريَّةُ المُبْدِعَةُ، الحَياةُ الحَيَّةُ الموَّارةُ الأنهرِ والمفتوحةُ المساراتِ، والعالمُ الرَّحبُ أكانَ مُكْتَشَفاً معلُومَ الأكوان أمْ مجهولاً لم يأذنِ الوجودُ، بَعْدُ، باكتشاف أكوانه الخفية وتجلية وُجودها في نطاق وُجوده!