غزة (رمز العزة العربية)
بقلم /شعبان منير
روائي وكاتب مصري
لا أحد- بطبيعة الأشياء، وحسب قانون الفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها- يقبل على نفسه أن يطرد من أرضه، ويسرق منه ماله، ويطلب منه العودة عبدًا ذليلًا يطلب الإذن بدخول أرضه، وختم جواز سفره بختم دويلة قامت من الهواء!
وليس هناك حُرٌّ يقبل على نفسه بأن يعيش مطأطأ الرأس يقبل العار والمذلة..
إن المطلوب الآن من أهلنا في فلسطين الآن.. هو الرحيل عن أرضهم، ونسيان أكثر من 75 عامًا من الجهاد، ونسيان التضحيات والدماء المراقة على أرض شربت من هذه الدماء حتى أتْرِعَتْ، ودُفِنَتْ فيها أشلاء الضحايا الذين ارتقوا شهداء من أجل الاحتفاظ بوطن عزيزٍ أبِيٍّ لا تدنّسه قذارة احتلال لا يعرف رحمة ولا ضميرًا.
والاقتراح “الغبي” المقدَّم من أحد المعتوهين والذي ملخصه: (عزل الفلسطينيين داخل صحراء النقب للانفراد بالمقاومة وتصفيتها).. هو اقتراح لا يصدر إلّا من عميل صهيوني بامتياز!
كما أن الاقتراح الرامي إلى القضاء على القضية من جذورها.. المتمثل بـ(طرد الفلسطينيين إلى سيناء) هو اقتراح صهيوني أعده النتن ياهو وبايدن.. ولن يقبل به أبناء فلسطين الأحرار الذين روت دماؤهم أرض فلسطين..
فكم فقد الشعب الفلسطيني من أنفس! وكم فقد من حقوقٍ وأموالٍ وأراضٍ، وضِياع! وليس مقبولا أبدًا أن نقول للفلسطينيين بكل بساطة: ( لتنسَوْا تضحياتِكم ودماءَكم التي قدمتموها، ولتعيشوا في شتاتٍ جديدٍ من أجل أن يرتاح منكم الصهاينة الذين قتلوكم على مدار 75 عامًا)..
إن الفلسطينيين لو قبلوا بهذه الخطة، فسوف ينفذون –بكلّ أريحيةٍ يرضاها الصهاينة – ما جاء في “بروتوكولات حكماء صهيون”، تلك البروتوكولات التي نُشِرَتْ في شتى بقاع المعمورة- ولم يَسْتَحِ الصّهاينة من نشرها، فكانت “مانفستو”، ودستورًا يحذون حَذْوَهُ، ويترسَّمون خطاه!
ولقد عرف أهلنا في فلسطين حجم المؤامرات التي تحاك ضدهم.. بدءًا من شرعنة وجود وطن لشرذمة آتية من أوربا وغيرها على أرضنا.. فلا ينبغي أبدًا أن يقبلوا –بعد كمٍّ هائلٍ من التضحيات – بتعويضهم، وتصفية قضيتهم بقطعة أرض هنا أو هناك!
ولن يقبل أيُّ حرٍّ في هذا العالم بأن يستأسد هذا الكيان اللقيط على قومنا وشعبنا، ويخرج مستوطنوه ألسنتهم للعالم الحر- ولا نقصد أمريكا وأذنابها- بل نقصد كل حر لا يقبل الاحتلال في القرن الحادي والعشرين- في بلطجة تمارسها “دولة لقيطة” نبتت كزرع شيطاني في صحرائنا العربية.. ويعرف العامي قبل المثقف أن من زرع هذا الكيان هي القوى الغربية التي قبلت قبل مائتين وخمسين سنة أن تسطو مجموعات أوربية عبر سفنها التي وجهت مدافعها إلى صدور الهنود الحمر السكان الأصليين للقارة الأمريكية.. فحصدت مئات الآلاف في وحشية لم يعرف لها العالم مثيلًا..
وهذا الرجل الأبيض الذي دمَّر “الإنسان الاسترالي” صاحب القارة الأصلي، وكذا “الهندي الأحمر” صاحب الأمريكتين.. كان أمرًا هيّنًا عليه أن يعطِيَ وعدًا – وهو لا يملك أصلًا- إلى لقيطٍ آتٍ من الشتات، وهو “الصهيوني التائه” عبر آلاف السنين، وفي الأخير امتلك -وهو لا يستحق- دولة قامت على النهب، والسرقة، وسفك الدم الحرام!
ولكي يجد هذا الكيان موضع قدم على أرضنا العربية، فقد سعى -منذ وُجِدَ- على بذر بذور الشقاق بين أبناء الدم الواحد واللغة الواحدة والأصل الواحد..
وما من شك في أنّ العرب الآن قد انقسموا إلى معسكرين:
* المعسكر الأول: ذلك الذي يتخندق مع المقاومة، فيشد من أزرها، ويتبنَّى مواقفها، ويمدّها بالدعم المادي- قدر استطاعته-؛ كونه فقيرًا في الموارد، والدعم المعنوي بالدفاع عن حق المقاومة في دفع المحتل عن أراضينا..
* المعسكر الثاني: وهو عربي، ويتكلم بلسان عربي للأسف؛ لكنه صهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم، فهو يريد أن يصفي المقاومة التي صدعته طوال 75 عامًا، فيقترح أفكارًا وحلولًا- هو يراها حلولًا- تتعلق بالتطبيع الكامل والانبطاح، ولعق الأحذية الأمريكية والصهيونية، كان آخرها تخزين الشعب الفلسطيني في صحراء النقب، والانفراد بالمقاومة، وضربها ضربة قاصمة تكفل عدم قيامها مرة أخرى! وتصفية القضية برمتها.
لكن هذا الفريق الثاني للأسف – الذي تربى على الخنوع والانبطاح، ولم يحمل سلاحًا، ولم يطلق رصاصة واحدة- ربَّته المخابرات الأمريكية، ورضع من الأموال الصهيوينة، فهو يستمد وجوده من بقاء الاحتلال الصهيوني، ويتلقى الدعم سعيدًا من الأمريكان، فولاؤه للمخابرات الأمريكية رأسًا، والـcia) )!
كلمتنا الأخيرة:
مع ما تم سرده مسبقًا يتفتق الذهن المهموم بتلك “البروباجندا” الحادثة الآن، وذلك الزخم الدامي، والناتج عن صراع دام لأكثر من خمس وسبعين سنة.. كلها مضمَّخة بالدم الفلسطيني الزكي الذي أريق على أرض الإسراء.. حيث تنفعل النفس، وتتألم الروح، ويدخل العقل في متاهات البحث عن حلول لهذا النزف المتتالي..
نقول.. إنه على المقاومة أن تقدم جميع التضحيات- وقد قدمت بالفعل- ولا ينبغي أن تقبل بأية هدنة مع العدو الصهيوني، ونحسب أن كمَّ التضحيات الذي قُدِّمَ حتى الآن ينبئ بصدق ويقين عمَّا تنويه المقاومة –بجميع أطيافها – ونعني بذلك أن المعركة طويلة، وسياسة قطع الأوصال ومعركة الرمق الأخير مستمرة..
ومهما هدم الصهاينة بطائراتهم، ومهما قتلوا من شهداء، فلن يستطيعوا ثَنْيَ الفلسطيني –الحقيقي- عن عزمه في الاحتفاظ بأرضه..
وليسقط كل العملاء.. وتحيا المقاومة الأبية المجاهدة الصامدة..