مشاعر قَلْب آيِلٍ لِلسُّقُوط
قصة قصيرة/الدكتور محمد لبيب سالم
تربَّى على يديها، وتعلم منها كيف يكون الحب. عَلّمتهُ كيف يَكُونُ الْحب، كيف يكون العطف والحنان، وكيف تكون السماحة والغفران، وكيف لا وهي أُمُّهُ حبيبته. تعلم منها أن يكون صَلْدًا قويًّا.. كانت في عِزِّ قسوتها عليه تفيض حنانًا.
علّمته كيف يكون رجلًا وهو طفل صغير، وكيف يكون طفلًا وهو رجل كبير.
رافقها كصديقة وحبيبة وأخت قبل أن تكون أمًّا، حتى أصبح يَشُمُّ رائحة كَلِمَاتِها، ودعواتها، وعبير ابتساماتها معه أينما حَلَّ حتى في بلاد الغربة البعيدة.
وظلت هي له كما هي، بقلبها الحنون، ودعواتها الصادقة التي لا تنقطع، وبقلبها الذي لا يعرف سوى الخوف عليه. طفلة عندما تنتفخ أوداج رجولته، وصديقة عندما تجفّ مشاعره، وأختًا عندما تهتز أوتار عقله، وناصحه له تنير له دربَهُ.
بعُدت عنه، ولكنها لم تغب. وبعُد، ولكنه ينام ويصحو في أركان دعواتها، افتقدها وافتقد دعواتها وطعامها الشهي، وجلوسه معها، وافتقدته حتى بكت الغربة وتمنَّتْ لقاءَهما. وبعد عراك مع الغربة، قرر العودة إلى الديار، وأراد أن يفاجئها. عاد والفرحة فى صدره بِزَخَمِ فرحةِ ألف طفل.
دقّ الباب، فلم يفتحْ له أحد….
فتح الباب، فلم يسمع صوتها بالدار، استنشق عبيرها في كل ركن من أركان البيت الذي شهد طفولته وريعان شبابه، والضحكات والبراءة.. حتى الخلاف معها كانت تفوح منه رائحة الوُدّ.
بحث عنها في كل ركن، ولكنه لم يجدها. لم يجد في طرقات البيت سوى آثار أقدام كانت هنا.. وآهاتِ ألمٍ كانت هناك، ودعوات قلبها له المعلّقة على الجدران.
ظل يبحث عنها غير مصدّقٍ رحيل أمه.
هرول نحو الباب الذي كان قد أغلقه..
فتحه على مصراعيه لعل أحدًا هناك يسمع صراخ قلبه ندمًا على كل لحظة لم يعِشْها معها وهو بعيدٌ.. هناك في بلاد الغربة.
وقف على الباب وحيدًا بعد منتصف الليل، فلا أحد يسمع صرخات القلوب.
جال بالبيت، ولم يَدْرِ إلَّا وهو أمام صورة لهما على جدار غرفتها. هي في كامل زينتها عندما كانت شابة تبدو كملكة جمال وهو طفلٌ صغيرٌ يمسك بكَفّيْها، وكأنّه يخشى من ضياعها.. انسابت دمعاته من مقلتيه على وجنتيه.
تمنّى لو بَقِيَ في الصورة للأبد، يكبُرُ هناك بجوارها حتى لا يغيب عنها، وحتى لا ترحل عنه مهما كرّ وانفتل بهما الزمان.