ملامِحُ مِن الرموزيّةِ الجيوسياسيَّةِ في صُورِ (لوحات) وليد جُنبُلاط
(قراءة نقديَّة)/منى رسلان
قلَّما تجد في الرؤى الحديثة والمُعاصرة جداً، وحتَّى تلك المُعولمة، نِتاج انسان يتبوَّأ مراكز في الحياة السياسيَّة محليَّاً ودوليَّاً، ويُجاهر بانتمائه العربيِّ وقوميَّته الَّتي لا تتزعزع، والتسامي الديني والعدالة، ورؤاه الوطنيَّة الَّتي تنحو باتِّجاه السياسة الواقعيَّة جداً، حتَّى الاعتذار عن بعض أخطائه أو قراءته للمُستجدات. إنَّه وليد جُنبُلاط. ولربَّما، يكتسبُ _عن دراية أو غير دراية _ صفة المُتقلِّب في مواقفهِ السياسيَّة، وهي تُحيلُ المُحلِّلين والعارفين في متون المُتغيِّرات التَّاريخيَّة والسياسيَّة اللبنانيَّة، فيتخبَّطون في حالةٍ من الحَيرة أحياناً، أو لربَّما يُصيبُهُم بـصدمة أحيانًا أخر_ ويُحبُّ بعضهم تسميتها بالمُتغيِّرات السريعة منها والبطيئة_ في العالم الغربي وقهرية رأسماليته، وخفاياه المُبطنة حتَّى الفجاجة في أحيانِ جمَّة، تجاه لبنان بشكل خاص، والعالم العربي والغربي بشكل عام.
لا نغفِلُ في هذا المضمار، تهافُتَ الدَّارسين والقارئين والصحفيين ومحطات التواصل الاجتماعي ونشرات الأخبار ذات التحليل الموضوعي أو غير الموضوعي، ببرامجها السياسيَّة وممتهني النقد بأشكاله وأنواعه كافة، إذ يتبارون في ما بينهم، لاستقراء ما يكتنه قول
وليد جنبلاط، أو تصريحه أو تلميحه أو حتَّى هدوءَهُ؛ يحلِّلون هذا الخطاب أو ذاك، وما تسوِّق له هذه الفكرة أو تلك، ويسعون إلى المُقارنة بين ماضويَّة الأحداث اللبنانيَّة الداميَّة والساحقة، بمفاعيل الحاضر والصورة المُتغيِّرة يوميَّاً في المشهديات السياسيَّة والثقافيَّة اللبنانيَّة، وبين خِطاب وليد جُنبُلاط، وتصريحه أو تلميحه.
قلَّما يفصل بينها مسافة من ألف عام في الزمانيَّة ونحو بضعة أميالٍ في المكانيَّة؛ وكذا قلَّما يفصل بينها فاصلٌ في التوغُّل الفكريِّ والثقافيِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ والإنسانيِّ بعقلانيَّة وواقعيَّة، لرؤى الانسان المُثقَّف في ذاته.
فلا مناص من أن تكون هذه الومضة، ارتشاف الندي الَّذي يستقي من تاريخ رجل قارئ شغوف في التاريخ، والسياسة والانتربولوجيا، والفيسيولوجيا، وفي وحدة الأوطان العربيَّة ومُستقبلها ونمائها؛ ومُتفهِّم صيرورة الأديان والتصوُّف والحركات الاصلاحية والنضاليَّة في العالم، وفاعليَّة الفنون التشكيليَّة والتصويريَّة والغنائيَّة والمسرحيَّة، وتجذُّرنا في الأرض والانعتاق في الطبيعة، بغنى معرفي لرفاه الإنسان.
ممَّا لا شكَّ فيه، أنَّ شخصيَّة وليد جُنبُلاط لم تنبنِ على موقف فكري مُحدَّد، أحادي المشارب والتطلُّعات، جامد جمود الصَّلْفِ. لا بل تجده يتلحَّف “الكوفيَّة” الفلسطينيَّة، وهُويته العربيَّة، بعباءته الوطنيَّة.
كما لم تتمظهر شخصيَّته من خلال تجربته في بيئة مُحدَّدةٍ بذاتها، ولا هي تشكَّلت في ما تشكَّلت من خلاله على نحو ملامح التأريخ المعهود للشخصيَّات الوطنيَّة والتاريخيَّة اللبنانيَّة. بل قدَّم نموذجاً تفاعُليَّاً، متأثراً ومُؤثِّراً ، يفكِّكُ العُقد والقيود سياسياً وايديولوجياً ودينياً ومُجتمعيَّاً وثقافيَّاً، مواكباً تحقيق الحُريَّة.
ما بين الصراعيَّة والتكامليَّة، تتجسَّد الحريَّة
“تتألَّف “القصيدة” لفيلسوف بلدة الفريكة أمين الريحاني، المكتوبة باللغة إنكليزية لافتة في أناقتها ورِفعتها، من ثلاث عشرة رباعية، يخاطب فيها الريحاني ، أبي العلاء المعرِّي. ويتجلى فضاؤها عبر ما يمكن اعتباره زواجاً بين الوجدان والعقل… . بل هي الانفعال الإنساني الذي حرَّكهُ كلٌّ من شوقِ العقل ورغبة المنطق في تحقيق وجودهما، فتأجَّج الانفعال لهيب بحثٍ عن حقيقةِ مداه، وما كان لهُ أن يجد هذا المَدى إلاَّ في الحُريَّة. ومع هذا التمظهر للحُريَّةِ، يرتسمُ أُفُق لفضاءِ “القصيدة” بفاعليتين أساسيتين إحداهما صراعيةٌ، في حين أنَّ الأخرى تكامليَّة”. (د.وجيه فانوس. الريحاني والمعري. تصميم وتنفيذ فانوبرس، بيروت.2002؛ ص 23-27 )
فالصراعية تقوم على العقل والخيال أو العاطفة، والحكمة أو الروح. غايتها الوصول إلى النُّور / الحُريَّة، بعيداً عن سجون العاطفة والرُّوح والعقل والوجد.
IN thy fountained peristyles of Reason
Glows the light and flame of desert noons;
And in the cloister of thy pensive Fancy
Wisdom burns the spikenard of the moons”.
بينما التكامليَة يتوضَّح وجهها، عبر تعبير الريحاني عن كونه والمعرِّي، يشكِّلان، امتداداً لأصل واحد أو لجذر انساني مشترك وعميق، كلاهما ينتميان إلى حضارة واحدة. ولعلهما وجهان مُتكاملان في وحدة التجربة الفكرية التي عاشاها في المعاناة الوجودية، وفي البحث عن الحُرية.
I have walked and I have slept beside thee, I have laughed and I have wept as well;
I have heard the voices of thy silence
Melting in thy Jannat and thy hell.
وكان لا بُدَّ لي في قراءتي النقدية المُعنونة : “ملامِحُ مِن الرموزيّةِ الجيوسياسيَّةِ في صُورِ (لوحات) وليد جُنبُلاط “، من الاطلاع على بعض من صوره وأُحجياته، أستليتُها من مواقعه عبر التواصل الإجتماعي عامة وتويتر X على وجه التحديد. صور من مخزونه وأرشيفه الصوري والتصويري، المتمايزة أحياناً والمُتقاطعة أحياناً أخرى، من حيث مواءمتها وترميزاتها مع الأحداث الجيوسياسيَّةِ والجيواقتصادية، عالميَّاً ومحليَّاً، عربيَّاً ولبنانيَّاً.
والبداية مع هذا الترميز التكويني / اللوحاتي المتفرِّد:
صائغ الوجود
يستلُّ أفلاطون في كتابه “الجمهورية”، أسطورة الكهف، موضِّحاً نظرته إلى الوجود. إذ يشرح أنّ العالم الحسي مجرد ظلال للعالم المثالي الذي يحتوي على الحقائق المطلقة.
مُعلِّلاً أنَّ المعرفة الحقيقية لدى الباحث / العالم ليست مجرد اكتساب من خلال التجربة الحسية، لا بل هي تذكر للحقائق الأزلية التي عرفتها الروح قبل أن تحلّ في هذا الجسد.
كما نستظلُّ ههنا بالفيلسوف الألماني لودفيغ فيورباخ (Ludwig Feuerbach) أحد أبرز المُفكِّرين في الفلسفة الألمانية خلال القرن التاسع عشر، ويعدّ من المساهمين الرئيسيين في تطوَّر الفلسفة المادية والنقد الديني؛ والَّذي يرى أنَّ هيغل رفع الفكرة والروح إلى مكانة أعلى من الواقع المادي، بينما كان يجب على الفلسفة أن تكون مُتجذِّرة في العالم المادي الملموس للحياة.
إذ تشي هذه اللوحة – الصورة، أنَّ الفلسفة وُجِدت كي تقدّم رؤى تفاعليَّة للإنسان؛ لا الانتحار. في مشهديَّة حواريَّة بين الفيلسوف والجندي، وقوَّة العقل للتعاون والانقاذ.
يقول وليد جنبلاط في مسرح الهمَّ اللبُناني: “اذ نحيي الجيش اللبناني الذي يبسط سلطة الدولة في الجنوب، ندين عالياً العدوان الاسرائيلي تجاه المواطنين العزل الأبرياء”.
لطالما يرفضُ الظلم اللاحق بالمواطنين في لبنان، وأينما وُجد إنسان في العالم، كما يمقت الصراع ما بين السُلطة والشعب انطلاقاً من مبدأ الوجود والحقوق والعدالة الإجتماعيَّة. كما تجدُهُ يُكابد عند كُلِّ لقاء معه، في تثبيت أحقيَّة الشعب الفلسطينيّ في أرضه، كرامةً ووجود عيشٍ وتاريخاً أصيلاً، كقضية إنسانيَّة عربيَّة وأُمميَّة.
في حين المواطن في إسرائيل _المزعومة، يعيش داخل شبكةٍ من الرموز والأساطير المزيَّفة، التي نسجَها الصهاينة من التراث الديني اليهودي وما أُدخِل عليه من تزييف، وأعطوها مضموناً قوميَّاً؛ فيستخدمُ المواطِنُ ألفاظاً من مثل السامرة ويهودا.. لا صلة لها بالواقع. وينظر إلى الشرق الأوسط من منظور “الحقوق المطلقة” و”المقدَّسة” له، الواردة في التوراة والتلمود، التي لا يمكنه مخالفتها أو حتَّى التشكيك بمصداقيتها، كإيديولوجيَّة راسخة في الدين والمجتمع؛ وإلاَّ نال نصيبه من الرفض المُجتمعي والاقصاء القومي والتكفير الديني.
الصنمية “السرطانيَّة”
تُنبؤنا هذه اللوحة بصيرورة المواجهة بين التحنيط والتبصير والتنجيم، وبين المنهج التفكيكي للعُقد : عُقد التأليف الحكومي، فيها ما لذّ لكم وطاب من طائفية ومناطقية و “زواريب الحرامية”.
و “خيّط ورق ساويهم ناس”
فبعد “خبصة” التعطيل بثُلثه، والتمعُّن بالتشكيلة المُرتقبة، وبعد هبوط المبعوثين على أرض الوطن، وبعد سجالات واجتهادات وتساؤلات وتقوقعات، و”أرانب”، وموروثات ذات تشكيلة طائفية على مذهبية، على تفضيلية، على ميثاقيّة، وعلى تصعيدية، فتروٍ ؛ وفي مواربات لزوم ما لا يلزم، ولربّما يستقرّ الترحال بعد رحلة الانتظار. لا بُدَّ أن يستقرّ #لبنان
وتُطالِعُنا رحلة التمحيص ما بين الثلاثي، حول اسم الوزير الخماسي.
التعطيل.. بالقناطير
بينما تستعرضُ هذه الصورة: “سي السيِّد مُتأنِّقاً، برأسه الخشبي وحواجبه المتفاخرة”، غافلاً عن أنَّ لبنان مفتاح الشرق الأوسط، وطن الرسالة، بشعبه وتنوّعه الثقافي والفكري والديني والجمالي.. يُمثِّل في ما يُمثِّلُهُ من ديناميكيَّة تفاعُليّة حركيّة؛ وقد أُلزم بـ “تلزيمة” أطبقت على أنفاسه، وعليه يكون تصحيح المسار التاريخ القمعي، لـ “التفكير-الخشبي” التدميري، بولادة الحكومة والانفتاح شرقاً وغرباً.
“For years we do not know if it is a blessing or a disaster that a boy with the dictator’s face lives among us”. ( YIYUN Li. A THOUSAND YEARS OF GOOD PRAYERS. p53)
فحتّى المُبارزة في التوزير، خشبية- تصادمية، يتآكلها التخبُّط، والصديد، معلّقة في أدراج الزمان، تخضعُ وخُيلاؤها بعد “العركة” لأمين المتاحف البدائية. لا بُدَّ لها، من أن تستكين.
يرنُّ جرس هاتفنا برمزية أناقة ساعته المُعولمة:
ALLO: هُنا بيروت، موطن الحُريَّة والجمال، بلد الأبجديَّة، عاصمة القانون، “ست الدّنيا”.
“وُصلوا الحبايب، لصورة تذكارية..!”
وليد جنبلاط يتابع: “إنَّ اسرائيل المستفيد الأول من عدم تشكيل الحكومة في لبنان، وبالتالي تعطيل انطلاقة العهد لأنها لن تغفر لنوَّاف سلام حكمه التاريخي في المحكمة الدولية؛ لذا أدعو جميع الفرقاء دون استثناء إلى تسهيل مهمته والخروج من لعبة الزواريب #لبنان
فالفارس المغوار، يُجهّز أُطره المعرفيَّة وأدواته التقنيَّة ويُحكم استراتيجيَّته ويُلاءم خياراته؛ كما يتفنن في تكتيكاته الاستراتيجيَّة من إقدام وتراجع، من سكون ومباشرة، من تموضع واعتراض، من “حردة” ومرونة؛ مُطوِّعاً حركيّته ما بين شراسة مُقنعة، والصمت والمواجهة المحتومة برياح التغيير. لا هو يهوي ولا تفنى العناقيد. لقومٍ يعقلون.
لا انزلاقاً ولا استبصاراً.
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ رحلة التبحُر في المواجهة المحكومة بكلّ تغيير وتفنيد وتفسير، ما هي سوى اختبارات تلو الاختبارات… يخوضها الفارس الفتي، مُتساميَّاً مع أهواله القدريَّة، منتصراً لذاته في ذوات الآخرين.
وترى جنبلاط مُردِّداً بعد التعطيل “الوجيز” لولادة الحكومة اللبنانية لعام 2025، بصوت فيروز: “يا دارة دوري فينا.. ضلي دوري فينا، ت ينسوا أساميهم و ننسى أسامينا”.
يبدو أن لا للمداورة، في بلد تعددي. وننسى أنّ الكفاءة في الحُكم والعدل ميزان البُنيان. لن تبقى “حدُّوتة” استنسابية العدلِ في الحُكم وظلم في الرعية، سائرة من دون هوادة. بناءً عليه ، يُصبحُ زمن الولاة غابراً، قد أصابه القحط، وتولاه الانقلاب التاريخي؛ بينما قناطر الوطن معقودة على الطمأنينة، صامدة في السلام.
ولربّما يستقرّ الترحال بعد رحلة الانتظار
كذلك، لم ينحصر تمحيص جُنبلاط في السياسة اللبنانية والعربيَّة حاضراً ومستقبلاً، بل تعدَّاها في إشاراته الرمزيَّةِ تدليلاً على الشؤون السياسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة والثقافيَّة والتربويَّة، ومُستطلعاً في الأدب والتاريخ والجغرافيا، كما في التُراث والفنون والكتب والمطبخ العالمي وفي الطبيعة والحيوان.
تفاحة أنقذت البشرية؛ تفاحة للجاسوسيَّة؛ تفاحة للخروج من التيه.
في اللحظة الزمان كونيَّة حينما يتضارب كوكب زُحل مع نبتون ويشكّلان مع برج الحمل تربيعاً في برج الدلو، تستيقظ البشرية على تُفاحة اسحاق نيوتن، التي غيَّرت وجه العلم – هي توليفة الغرب. بينما العُلماء العرب (الهمداني، أبو جعفر الخازن؛ أبو الريحان البيروني؛ وسواهم الكثير)، قد اكتشفوا قانون الجاذبية وتقديرات الأجسام وتبحَّروا في دراسة وتأسيس لعلوم الحساب والفيزياء والرياضيات …، قبل الغرب بأشواط زمنية غابرة جداً، حيثما كانت أوروبا برُّمتها تعيش عصورها الظلاميَّة.
كتب وليد جنبلاط: “إلى سوريا حرة إلى الشرق الجديد”. #سوريا
الغُراب…
Annalena Baerbock insists on committing blunders by giving the new Syrian administration lectures how to behave not even denouncing the concentration camps of the Assad regime like Saidnaya similar to Auschwitz #syria
Walid joumblatt
“ما تعطينا دروس” لو تكرمتِ. نحن نعرفُ ديمقراطيتكم الزائفة علم اليقين.
فـ وليد جنبلاط العرفاني، يفهم الحريّة وأبعادها وحدودها، وينتقد “خانقيها” بملمح استنكاري.
“الحرية هجَّت”
ولعقود صدح مُحذِّراً من كيفية استخدام الإعلام كأداة للتأثير والتلاعب بالشعوب وعقول الفئة الشابة منها، مُشيراً إلى استراتيجياته النفسية والاتصالية، والأمنية.
فالحريّة بعد ترامب لن تكون مثل قبلها !؟
شدًوا الرِحال …!!!!
ومضة من الوليد… ومشى.
هذا الجنون بعينه، أن يذهب القيصر / المارشال دونالد ترامب إلى بحر الصين مع مفاعيله النووية، وقنابله العابرة للقارات…
والملفت للأمر أنَّ أم المعارك الاقتصادية والأمن السيبراني والتكنولوجي والموارد الطبيعية..، ستكون ما بين الصين وأميركا، والعين ملحوظة على بحر تايوان. هي هي منظومة الهيمنة الاقتصادية والجاسوسيَّة – الأمنية لأميركا على مُقدَّرات العالم، لن تنتهي عند الصين؛ وكذلك العين مرصودة على بحر العرب، بينما أوروبا ستتبعها معاناة بحلقات متواليات.
“ايه” في أمل، وعلى الرغم من تشاؤمه المُفرط أحياناً، يستدعينا وليد جنبلاط إلى لحظات تأمليّة. إنَّ المسار طويل وطويل جداً، والنضال العسير، ينتهي بالانفراج. فمن انتظر مرور الجُثة الخشبية، ينتصر في الوجود على الاغتيال مادياً ومعنوياً؛ ويبتسم: أنتَ لستَ وحدك في هذا العالم.
أحياناً يُخالجه شعور بالغُربة، يفتقدُّ فيها والدته الست مي أرسلان، يُفصح مُتأثِّراً: “نعم، في مرحلة مُعيَّنة هي حمتني”؛ ويتمظهر كيان والده كمال جنبلاط شاخصاً بحكمته وتجربته أمامه؛ يفتقدُّ أحبّته وأصدقاءه وعارفيه، يفتقد بيروته الَّتي اختبرها وخبرته، يفتقد فيه “ونس” الشباب وطيف الطفولة، يحنُّ إلى طبيعته الأولى، إلى براءة انسياب الجداول ونسيم السحر بين عُشب البراري والسهر، إلى ندى الزهور والياسمين ذات الاصفرار المُذهّب؛ يشتاق يومياً إلى جوريّة القصر المُعتّق بنبيذ الحُب مع السيدة نورا جنبلاط، والغاردينا تُتفتّق عبيراً في أم أولاده السيدة جيرفت جنبلاط وأولاده تيمور وداليا وأصلان وأحفاده، فتراه مُستمتعاً بصوت صباح: “ساعات ساعات.. ساعات ساعات أحبّ عمري وأعشق الحاجات. وساعات ساعات.. أضحك وألعب زي عصفورة ربيع.. زي النسيم.. زي النسيم ما يعدي وفي لحظة يضيع .. أضيع.
أفرح اوي .. وأضحك اوي .. اوي، وأحبّ عمري واعشق اليوم اللي فات.. ساعات .. ساعات”
فتسمعه يُدمدمُ مع Michel Legrand أغنية:
“Comme une pierre que l’on jette dans l’eau vive d’un ruisseau
Qui laisse derrière elle des milliers de ronds dans l’eau
Comme un manège de lune avec ses chevaux d’étoiles
Comme un anneau de Saturne, un ballon de carnaval
Comme le chemin de ronde que font sans cesse les heures
Le voyage autour du monde d’un tournesol dans sa fleur
Tu fais tourner de ton nom tous les moulins de mon cœur”.
“Là où l’homme s’arrête les oiseaux passent encore..”
*”souvent il suffit pour comprendre de regarder par dessus le regard”
*”Comparer la blancheur de l’intelligence, au rouge de l’amour”.
(NADIA TUENI: La Prose œuvres complètes.Edition DAR AN-NAHAR.
)“Au_delà du regard”; Page 237-..
فأعطني النَّاي”..
ولسان حاله يُفصح لنا: أمَّا رحلتي مع “أوسكار” مُتجذِّرة في تأريخ المحبَّة الإنسانيَّة.
L’œuvre poétique est une question immense posée à l’âme humaine.
فأستحضر هُنا مشهديَّة الانسياب، لأقول: Quel chemin parcouru de liberté
صنعتُ شوقي، صنعتُ سأمي
فمنذ خمسين سنة، افتُتن الشاعر أنسي الحاج بإمرأة جميلة، خسرها ضجراً واهمالاً، ومن وحدته كتب ديوانه بعنوان: “ماذا صنعتِ بالذهب وماذا فعلتِ بالوردة؟”
“QU’AS-TU FAIT DE L’OR
QU’AS-TU FAIT DE LA ROSE”-Ounsi al-Hage
وفي حين يتزاوج المعدن الذهبي بالصناعة والورد بالفعل الرقيق، يفصح الشاعر عن مكنوناته لمحبوبته على الرُّغم من غيابها:
“ أطيعي دمعكِ يا حبيبتي فيُطرّي الحصى
أطيعي قلبكِ فيُزيلَ السياج
ها هو العالم ينتهي والمُدنُ مفتوحةٌ المُدنُ خالية
جائعةٌ أنتِ وندَمي وليمة
أنتِ عطشانة وغُيومي سودٌ والرياح تلطمني.. “
” صنعت شوقي فكيف أُوصل حبّي
صنعت حُبّي فكيف أُعطي عطائي.”
ولأخلُص باستنتاج:
هي تأمُّلات سرديّة للحياة .. لحكايا القلب .. يا ولدي.
هدأة العمر .. غمرة لطيفة في هذا الوجود.
شكراً وليد جنبلاط
****
منى رسلان *
* د. منى رسلان. أُسْتَاذةُ النَّقْد الأَدَبِيّ والمنهجيَّة فِي كليَّة الآدابِ والعُلومِ الإنسانيَّة –الجامعة اللبنانيَّة