الكابتن الطيار زياد البدا
الكابتن الطيار زياد البدا
أجرى الحوار/لطيفة محمد حسيب القاضي
إنسانٌ لا يفرِّط في الثوابت الوطنية؛ فهو وطني من الدرجة الأولى. يرى في موطنه فلسطين قصيدةً شعريةً في ديوان الكون. فلسطين هي الحب الوحيد الخالي من الشوائب. هي حب مزروع في القلب.
استطاع اللواء القائد” زياد البدا “أن يشق طريقه بنفسه، إذ هو طيار من طراز عالٍ.
كان أول طيار فلسطيني يحلق فوق مطار غزة الدولي. واجه الكثير من الصعوبات حتى تمكن من الهبوط في المطار.
أولا : من هو ”زياد البدا“؟
زياد علي عزيز البدا.. من مواليد ١٩٥٦ من قرية طلوزة بنابلس.
أكملت دراستي الثانوية في نابلس ثم التحقت بحركة فتح في بيروت ، حيث تم اختياري أنا وأربعة آخرين لدورة في الطيران المقاتل في باكستان.
تخرجت كطيار مقاتل عام ١٩٧٩…وتم ايفادي للعمل في سلاح الجو الليبي، ثم إلى نيكاراجوا ثم ، إلى يوغسلافيا وسلاح الجو اليمني. وإلى أديس أبابا ثم جزر السيشل وثم إلى غينيا بيساو ودكار ومصر وهولندا وأمريكا والجزائر.
وماذا عن طموحاتك : هل تمنيت أن تكون طيارا ؟
زياد البدا : في حرب ٦٧ كان عمري أحد عشر عامًا عندما أقدم الطيران الإسرائيلي على قصف الجيوش الأردنية والعراقية ، في الزبابدة وجنين والطائرات تمر من فوق بيتنا.
ومنذ ذلك الوقت ، تمنيت أن أكون طيارًا مقاتلًا لمحاربة الإسرائيليين، وتحققت أمنيتي وحصلت على ماكنت أتمناه.
من الذي ساندك في تحقيق ما صبوت إليه؟
زياد البدا : طبعًا منظمة التحرير الفلسطينية وحركة ” فتح “ وخصوصًا الأخ أبو عمار ، والأخ أبو جهاد.
لواء زياد البدا: أنت قائد طائرة الرئيس” الرمز الخالد ” ياسر عرفات ” رحمة الله عليه ” . كانت أول مرة تحط فيها طائرة في مطار غزة الدولي. كنت أنت قائد الطائرة حينئذ.. حدثنا عن حيثيات الواقعة ؟
زياد البدا: طلب مني الأخ الرئيس أبو عمار وزميلي اللواء عمر بدران أن نقوم بدورة طيران لتسلم قيادة الطائرة التي أهداها إليه الرئيس صدام حسين وبالفعل غادرنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقمنا بالدورة وكان ما أردناه. بعد ” أوسلو ” وعودة الرئيس إلى غزة صار مركزنا القاهرة. عند سفر الرئيس ننزل إلى مدينة العريش، ثم ننطلق به إلى العالم.
وفي يوم ٣ حزيران من عام١٩٩٦، على الساعة السابعة، صباحا، دق جرس الهاتف. فرفعت السماعة. فإذا هو الأخ أبو عمار يقول لي ” بتعمل ايه؟ قلت له: نائم. قال: نايم ايه! تعال عغزة عالساعة عشرة بتكون عندي. قلت له: كيف سوف أوصل غزة؟! عالقليل بدي ثماني ساعات.. رد بعصبية: تعال بطيارتك.. وين؟ قال: عمطار غزة…قلت له: وين المطار هذا شارع ؟! قال: كلم السفير وسكر الهاتف ” بعد ثوان كلمني السفير ” زهدي القدرة ” وقال: كل شيء جاهز. اذهبوا إلى مطار القاهرة. ومن ثم إلى مطار غزة. قلت له: عم تمزح !! قال: أبو عمار كلمك؟ قلت له: اه. قال: نفذ. قلت له: ليش هو في مطار بغزة ؟! هذا شارع! وكيف الإخوان المصريين رح يسمحوا لي؟!. قال: لا تهتم؛ كل شيء مرتب ” فذهبنا إلى مطار القاهرة، وجهزنا خطة الطيران فصار الموظف يضحك ويقول ” ما في عندي على الخرايط اشي اسمه مطار غزة الخطة مرفوضة. قلت له: اتصل. عمل اتصالاته، وقال على بركه الله. طلبنا التشغيل والاتجاه الى مطار غزه سمح لنا بذلك ثم قال: الله أكبر الله معكم.
وتم، بعدها، الطيران فوق مطار” العريش “وقالوا: ” الله أكبر تهبطوا بسلام في مطار غزة “.
أخذت القيادة من زميلي اللواء عمر وبدأت بالنزول مئة متر علني كي أجد” ما يسمى “مطارا. لأنه لا توجد أجهزة، ولا أي شيء من مقومات المطارات غير المدرج كشارع طويل.
وصلت إلى ارتفاع عشَرة أمتار وشاهدت الشارع ونزلت ثلاثة أمتار وشاهدت الناس تلوح وترقص ثم قمت بمرور ثان وثالث حتى أتأكد من سلامة المدرج وكنت أنادي على” اللاسلكي “العلني فإذا بصوت يدعو في بكاء: ” الله أكبر أهبط انت فوق مطار غزة العزة! ”
هنا انهارت الدموع من عيني ومن عيون زميلي اللواء عمر والمهندس كميل . وتبادر إلى ذهني أن أرفع علم فلسطين وكان لدينا أعلام صغيرة توضع على سيارة الرئيس فطلبت واحدا من المهندس وقلت له أن ينزع علاقة بدلة الرئيس” الرمز “وأخذتها وعلقت العلم ورفعته في سماء فلسطين، سماء غزة العزة وصلنا إلى مكان تواجد الرئيس وتم فتح باب الطائرة، فخرجت ملوحا بالعلم.. كان الرئيس يبكي وحضنني و قال لي:” مش قولتلك حتهبط في مطار غزه وسترفع العلم “.
اللواء زياد البدا من الذي فكر في إنشاء مطار في فلسطين؟
زياد البدا: طبعا الرئيس” الرمز الشهيد “أبو عمار هو من خطط وفكر وأصر على إنشاء المطار وهو من أعطى التعليمات وأشرف وتابع مع الكل.
كيف تحقق الحلم؟
اللواء زياد البدا: هو من طلب مني الهبوط في المطار، فتحقق حلمه وحلمنا … هذا لا يعتبر الافتتاح الرسمي للمطار بل كان موقفا سياسيا.
على أي اعتبار تم اختيار غزة ليكون فيها المطار الدولي ولماذا لم تختَر القدس أو رام الله؟
اللواء زياد البدا: تم اختيار غزه لتواجد الرئيس و” القيادة “هناك وبفعل” أوسلو “أيضا.
اللواء زياد البدا: ما إمكانيات مطار غزة الدولي في تلك اللحظة؟
اللواء زياد البدا: يوم هبوطي، كانت الإمكانيات غير موجودة، مجرد شارع اعتبروه مدْرجا.
كيف تلقى الشعب الفلسطيني خبر هبوط أول طائرة كنت قائدها” للقائد الرمز “ياسر عرفات في مطار غزة الدولي؟
اللواء زياد البدا: فرح الناس، ورقصوا ..!
كيف كانت آليات السفر من مطار فلسطين إلى الخارج حول أنحاء العالم والعكس؟
اللواء زياد البدا: في البداية، كانت هنالك صعوبة من قبل الطرف الثاني، إذ كانوا يطلبون من المسافرين التوجه إلى معبر رفح للقيام بإجراءات السفر، ذهابا وعودة، وتفتيش” العفش “. ثم صار العمل من نفس المطار وكان الناس سعداء بالعمرة، والحجّ، والسفر إلى العالم كله!
كيف كان افتتاح مطار غزة الدولي؟
اللواء زياد البدا: تم افتتاح مطار غزة الرسمي من قبل الرئيس” الرمز “ياسر عرفات والرئيس الأمريكي” كلينتون” وتم في شهر نوفمبر، الافتتاح الرسمي للمطار. وهبط في ذلك اليوم الطيران المصري والمغربي والأردني والإسباني والفلسطيني. وكانت آخر طائره تهبط
طائرة الرئيس أبي عمار، وأدت حركات بهلوانية فوق المطار، وتم الهبوط بسلام في مطار غزة.
شعور لا يوصف: مزيج من الفرح والحزن والنشوة بتحقيق الحلم الذي تدربنا من أجله لسنوات عديدة.
وماذا كان شعورك في تلك اللحظة؟
اللواء زياد البدا: بالتأكيد الفرحة والسعادة التي غمرتني..
ما رد فعل افتتاح مطار غزة الدولي على الرؤساء والدول؟
اللواء زياد البدا: بعد الهبوط في مطار غزة العزة، سافر الرئيس إلى لندن لمقابلة” أولبرابت “فنزلنا في الفندق.
طبعا، كان يوما شاقّا وصعبا، بدون أي تحضير أو استعداد. نمت من التعب. في الصباح، أردت أن أفطر فنزلت إلى المطعم، حيثُ كان الناس ينظرون إليّ باستغراب. فاعتقدت أني ألبس ملابسي بالخطإ أو هنالك شيئاً خاطئا! سألت مسؤول الاستقبال عن سبب نظر الناس إلى هكذا. فناولني الصحف العربية والإنجليزية، حيثُ كانت صوري على الصفحة الأولى. من ثم، فهمت لم نظر إلى الناس ذلك النظر. فبادلتهم التحية. ثم غادر الرئيس إلى العقبة. فاجتمع مع الملك حسين” رحمه الله “والرئيس حسني مبارك.
عند نهاية الاجتماع، حضر الملك حسين والرئيس حسني مبارك والوفد إلى طائرة الرئيس أبي عمار، فيما كنت واقفا لاستقبالهم فبادر الملك حسين رحمه الله بالسلام علي وقال لي: ” مبروك افتتاح مطار غزة. وأنت” أفرحت “الكثير، و” أبكيت“ الكثير ممن شاهدوك وأنا واحد منهم وإلى الامام…. ثم سلم الرئيس حسني علي وقال لي ممازحا: سوف أسجنك! كيف توافق وتهبط في مطار غير مؤهل وأنا والملك حسين طياران نعرف مدى الخطورة التي قمت بها ولكنكم شعب الجبارين. ربنا ينصركم وما ترد مره ثانية على أبي عمار!”
ما هو شعور” القائد الرمز “ياسر عرفات عند هبوط الطائرة بقيادتكم إلى مطار غزة لأول مرة؟
اللواء زياد البدا: كان الرئيس” الرمز “ياسر عرفات فرِحا يبكي وضمني وقال لي:” إنه يومك وسيسجَل في التاريخ ولقد خطفت الصحافيين مني “.
الرئيس” الرمز “ياسر عرفات هو المؤسس والقائد والأب والإنسان و” المناضل “و” الحنون “على الأسرى والشهداء والجرحى وعائلاتهم. كما كان” الصلب والشجاع والمعلم.. “.
اللواء زياد البدا: صف لنا شعورك عند تدمير المطار بعد 3 سنوات من إنشاءه؟
اللواء زياد البدا: إنه كان يوما أسود صعبا وشاقّا، إذ دمّر كل الفرح والأمل الذي بنيناه. وشعرت بغضب شديد وفقدان شيء عزيز علي. ولكن الأمل في الله. تم بشعبنا” شعب ياسر “، شعب الجبارين وفلسطين ولادة. سنعيد بناء المطار ومطارات أخرى. وعشتم وعاشت فلسطين وعاشت القدس عاصمة” دولتنا “الحبيبة وعاشت” فتح “ورجالها” الشرفاء “.
ما هي أصعب الرحلات التي قمت بها؟
اللواء زياد البدا: أصعب الرحلات كانت إلى الصين. هذه يطول شرحها. والرحلة الثانية عندما ضربت أرنبا أثناء الهبوط في فيينَّا . والأخطر دخول حمامة في المحرك أثناء الإقلاع من مطار” ماركا” إلى غزة، تعطل المحرك بفعلها. لكن استمررت في الطيران صوب غزة والرئيس واقف خلفي. شاهد عمليه الهبوط الاضطراري، وبعد الخروج من الطائرة شدَّ من شعري وضمني وقبلني.
وما هي هواياتك؟
اللواء زياد البدا: هوايتي: لعب كرة السلة، والقدم وممارسة المشي والركض الصباحي.
عندما يركب الراكب الطائرة، فإنه يرتاح عندما تعلو الطائرة فوق السحاب بعيدا عن المطبات الهوائية. هل ذلك الإحساس موجود عند قائد الطائرة أيضا؟
اللواء زياد البدا: نعم. الكل يشعر بالمطبات الجوية.
هل تتم مشاهدة التلفاز وأنتم في الطبقات العليا؟
اللواء زياد البدا: نعم. هنالك أفلام يتم عرضها على الشاشات المثبتة في الكراسي.
هل لديك وقت لمزاولة الرياضة؟
اللواء زياد البدا: نعم. أزاول الرياضة في أوقات الفراغ، وفي الفنادق.
– ما هي أمنيتك؟
أمنيتي أن أهبط في مطار قلنديا بالقدس كأقدم المطارات في الشرق الأوسط.