
الكاتب والمؤلف بشير البرغوثي : ريموندا أول امرأة تؤسس وكالة أنباء فلسطينية
أجرى الحوار/ لطيفة محمد حسيب القاضي
يحظى الكاتب والمؤلف الأردني ” بشير شريف البرغوثي ” المولود عام 1956 بمكانة بارزة لما له من دور في إغناء الساحة الأدبية و السياسية، فسيرته حافلة بالمنجزات والأنشطة الثقافية في الأردن وفلسطين و في الوطن العربي عمومًا.
في بداية حياته عمل مترجمًا ومحللاً سياسيًا وباحثًا في العاصمة الأردنية عمان. صدرت له العديد من المؤلفات والدراسات. اتجه إلى الترجمة الإدارية ودراسات مهارات تطوير الذات في لبنان ، ثم انتقل إلى السعودية وهناك صدرت له العديد من الكتب المترجمة.
أصدر المؤلف والكاتب البرغوثي أكثر من ثلاثين كتابا في مواضيع سياسية وإدارية ومنها : كتاب إسرائيل عسكر وسلاح١٩٨٥/ المطامع الإسرائيلية في مياه فلسطين ١٩٨٦/قمع شعب ١٩٩٠/النظام الإعلامي الجديد٢٠٠٣/فن كتابة الرسائل التجارية٢٠٠٧/ الاستنطاق و المؤلفون٢٠١٠/الاستخلاص في المكتبات ومراكز المعلومات٢٠١٣..وآخر إصداراته (ريموندا حوا طويل : الإبداع الإعلامي والعمل السياسي) يقع في مجلدين.
● ما هي الفكرة الرئيسية والموضوع العام لكتاب “ريموندا حوا طويل : الإبداع الإعلامي والعمل السياسي” ، وكيف جاءت فكرة خروجه إلى الوجود ؟
● الفكرة الرئيسية هي محاولة رسم خطوط أساسية لشكل مرحلة نهوض وطني فلسطيني جديدة. هذه المرحلة الحالية و بالتحديد من سنة 2007 وحتى 2023 هي فترة كبوة عنيفة كادت أن تطيح بكل نضالات شعبنا طيلة مئة عام. إن البحث عن الظلام وسط الليل الدامس أمر سهل جدا ولكن المهم هو البحث عن النجوم و معرفة مطالعها و مساراتها و سبل السير و تحديد الاتجاه في ضوئها.
في سياق البحث عن مكونات خطاب وطني فلسطيني جامع برزت ثلاث نساء حاربت كل واحدة منهن وحيدة ضد الحركة الصهيونية و دافعت عن حقوقها و حقوق شعبها من خندقها الخاص. “يسرى” هي فتاة فلسطينية عملت مع علماء آثار بريطانيين مرموقين و هي التي اكتشفت أن أول إنسان سوي عاش في مغارة الكرمل أي أن فلسطين هي مهد النشوء الإنساني الأول. ذلك الإنسان لم يكن يهوديًا بالطبع. إنها حقيقة علمية تدحض رواية “الأقدمية” التلمودية. حقيقة انسجم معها عمر بن الخطاب و كل الخلفاء من بعده حيث لم يجعلوا القدس يومًا عاصمة سياسية لهم مع أن كل واحد منهم كان يستطيع ذلك. لا أحد منا يذكر يسرى و أنا حاولت البحث عن اسمها الكامل وسألت عبر وسائل التواصل دون جدوى. حتى العالمة البريطانية “دورثي ” تقر ليسرى بهذا الاكتشاف و لكنها تقول إنها نسيت اسمها الأول. يسرى هدتنا منذ الثلاثينيات إلى المنهج العلمي الواجب اتباعه لدحض الرواية التلمودية ولكننا نسيناها .. نسينا فتاة مكافحة كانت تعيل عائلتها و بدأت حياتها عاملة حفر ثم تخصصت في تنخيل التراب بيديها كي تبحث عن الآثار البشرية فيه و صارت عالمة آثار. أين كانت قياداتنا السياسية عنها ؟ و كيف اختفت آثارها منذ سنة 1947؟ كلها أسئلة محيرة.
لم تكن يسرى هي النموذج الوحيد بل تلتها امرأة تدعى بهية استولى الإسرائيليون على ودائع زوجها في بنك بريطاني وظلت تناضل سنوات حتى انتصرت قضائيًا و استردت ودائعها رغم كل من حاولوا إحباط عزيمتها بحجة أن بنوكًا عربية كبرى فشلت في استرداد أموالها قضائيا. كلنا نسيناها و لم نبن معارك قانونية على هدي مسيرتها.
بقيت ريموندا أول امرأة تؤسس وكالة أنباء فلسطينية ربما قبل وكالة وفا. إنجاز لم تأت بمثله امرأة فلسطينية قبلها أبدًا. وكالة ريموندا كان كل الإعلاميين الأجانب في كل فلسطين مشتركين فيها و يستقون الخبر الفلسطيني منها. تجربة واسعة ممتدة لا يمكن اختزالها في صفحات قليلة. لكن دروسها لا تزال قابلة للتطبيق و النجاح لكل شابة فلسطينية تريد أن تفرض وجودها عالميًا.
على المستوى الفلسطيني فإن أحدًا لم يدرس تجربة ريموندا كنموذج قدوة من النواحي النفسية و الوراثية و الإدارية و الوطنية و السياسية ، وهذا ما حاولت عمله في هذا المشروع مدركا دائما أن هناك فروقا فردية بين البشر ولكن هناك أيضا سمات مشتركة في تجاربهم الإبداعية.

● من أي فترة زمنية كانت بداية كتابتك للكتاب، من أين كانت البداية؟
● مر هذا الكتاب بمراحل طويلة و عسيرة ولكن هناك فاصلة تاريخية مهمة تجلت عند التحضير لعقد الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني .. كانت منظمة التحرير مهددة بعوامل و تداعيات انشقاقات خطيرة في الخارج و كان الجميع يتطلعون إلى الأرض المحتلة لأن موقف جماهيرها هو الذي كان سيقرر مصير منظمة التحرير. ظهرت اختلافات خطيرة في الداخل وصار بيت ريموندا في رام الله مكتب ارتباط لأبي عمار في رام الله. كان مروان البرغوثي و قادة الشبيبة يعملون ليل نهار لرأب الصدع و نجحت جهودهم ، ولم تكتف ريموندا بذلك بل حملت صوت الفلسطينيين في المناطق المحتلة سنة 1948 كداعم أساسي للمنظمة أيضًا. هذه حقائق موثقة ومصادرها واضحة.
كنت بعد ذلك أتابع كثيرًا من وسائل الإعلام العالمية بحكم عملي وكنت أشعر بالمرارة من كثرة التحليلات و المتابعات لنشاطات ريموندا في وسائل الإعلام الأجنبية مع تجاهل إنجازاتها حتى في بعض الرسائل الأكاديمية الفلسطينية إلى أن حصلت زوبعة قبل سنوات قليلة واندلعت حملة ظالمة ضد ريموندا و التزمت ريموندا الصمت كعادتها في مواجهة الزوبعة التي لم ينتبه مثيروها إلى أن كل طمس أو تشويه لأي نموذج ريادي فلسطيني لا يخدم إلا الدعاية الصهيونية. فتحت ملفاتي و بدأت مشروع الكتاب قبل حوالي سنتين ولم تكن ريموندا متحمسة للفكرة.. واستمر التواصل بيننا يوميًا وأظن أنها اقتنعت بفكرة الكتاب بعد أن صارت تطلع على منهج البحث و تبين لها بوضوح أنني لست بصدد الدخول في جدل مع أي طرف .. و أن كل ما أقوم به هو فتح صفحات المصادر لكل من يريد أن يقرأ لأن الجدل دون معلومات موثقة لا يفيد إلا الجانب الإسرائيلي.
● ما هو الدور الذي قامت به الإعلامية والمناضلة ريموندا حوا في الإعلام والعمل السياسي؟
● يكفي أن ننظر لواقع الإعلام الفلسطيني الحالي : من هو وزير الإعلام الفلسطيني الموحد الآن؟ هل لدينا عنوان يمثل الخط الوطني العام يمكن أن يستقي منه الإعلام العالمي أخبارنا و توجهاتنا؟
لا بدّ من ريموندا جديدة .. لا بدّ من امرأة تعمل كوزارة إعلام وطني متنقلة دون مكاتب و دون حراسات و دون مرافقين كما قال ” أوري أفنيري” في وصف ريموندا .
● وهل يمكن أن تشاركنا ببعض اللحظات البارزة أو الأحداث المؤثرة في حياة ريموندا حوا التي تم تناولها في الكتاب، لماذا ابتعدت ريموندا بعد أن ثبت نجاح أفكارها حول الحوار و السلام ؟
● يوضح الكتاب و من مصادر و أرشيفات مراكز إعلام و معلومات أن ريموندا استطاعت قهر “آبا إيبان ” و جعلته يخرج من استوديو التصوير للتلفزيون الفرنسي علنا مدحورًا بعد أن فشل في مواجهة ريموندا، و كانت ريموندا قادرة على التأثير في مواقف أحزاب و شخصيات عالمية وإسرائيلية من” اللورد كاردون ” واضع قرار 242 الشهير و”غولدمان” رئيس الكونغرس اليهودي العالمي و”كرايسكي” . أفبعد كل هذه النجومية على الملأ يمكن لريموندا أن ترضى بأن “تفاوض” مع مستوى مساعدين لبيرس أو رابين؟
ما أكثر المرات التي هزت فيها ريموندا قرارات موشي دايان و إسحاق رابين و شمعون بيرس!
لم أذكر في الكتاب معلوماتي الشخصية بل حفرت منقبًا في مصادر أجنبية وإلا كنت ذكرت مثلا رد ريموندا على أحد المسؤولين الإسرائيليين حين عرض عليها إيصال رسالة إلى الرئيس الراحل عرفات. قالت لذلك المسؤول:” لو أحسن والدك تربيتك لكنت عرفت كيف تخاطب سيدة أرستقراطية فلسطينية”.
المثبت أيضًا من التوثيقات التي لا تزال موجودة أن ريموندا لم “تستنكر” العمل الفلسطيني المسلح ولا في أي اجتماع ولم تنقل لأية جهة “استعداد” القيادة الفلسطينية “لنبذ الإرهاب” بل كانت تكتفي بإعلان ما كانت تعلمه علم اليقين من أن عرفات وقادة الاتجاه الرئيس في منظمة التحرير هم دعاة سلام و قادرون على صنع سلام.
ريموندا كانت ترى الفرق بين السلام وبين الوهم. وهذه الرؤية لم تكن مناسبة لظرف “الاستعجال” الذي ساد بعد فشل مؤتمر مدريد، وكان ابتعادها مريحًا لكثيرين على طرفي المعادلة ممن كانوا يريدون البدء من جديد وليس البناء على ما تم إحرازه على الأرض بحكم الانتفاضة أو ضمن اللقاءات العلنية بين فلسطينيين وإسرائيليين يعارضون حكومتهم و يميلون إلى سلام إنساني وفق قواعد عادلة و نديَّة بدرجة ما وليس إلى سلام الإملاءات و فرض الأمر الواقع.
ريموندا لم تستنكر مثلا أي حادثة اختطاف طائرات قام بها فلسطينيون في السبعينيات في وقت كانت فيه لهجة معظم القيادات لهجات اعتذارية عندما يخاطبون وسائل الإعلام الأجنبية و كثير من هذه القيادات كانت في مأمن نسبيًا في المنافي على حين كانت ريموندا في الوطن المحتل.
● ما هي الأجوبة الذي تأمل أن يحصل عليها القراء بعد قراءة “ريموندا حوا طويل : الإبداع الإعلامي والعمل السياسي” ؟
● تعمدت في كثير من مفاصل الدراسة أن أطرح بأشكال غير مباشرة محتويات تثير أسئلة لدى القارئ. الكاتب الحق لا يوهم القارئ بأنه يقدم له إجابة قاطعة جامعة مانعة حول أي أمر بل يحثه على طرح المزيد من الأسئلة كي يقرأ أكثر و في مصادر متنوعة.
● هل هناك كتاب تمنيت لو أنك قد كتبته؟
أنا لا أتمنى بل أعمل وهناك فراغات كبيرة في المكتبة العربية وهناك فروع معرفية شاسعة لم نتطرق إليها بعد ربما لأن المؤلفين و القادة و المؤسسات يميلون دائما إلى إنتاج المزيد و المزيد من نفس الموضوع. و على الرغم من كل ما نشهده من تكرار في الكلمات و الأفكار و المصطلحات و المفاهيم و الموضوعات إلا أن المحتوى العربي على الشبكة الدولية لا يصل واحدا بالألف