مشاعر بِطَعْم الشُّكُولَاتَة
قصة قصيرة/د.محمد لبيب سالم
هبَّتْ على قلبه نسائم الحنين إلى الزمان الذي طالما يَحْنُو إليه، وإلى المكان الذي كان يكسوه بالأمان، فتذكَّرَ صندوق الذكريات الذي يلملم فيه كل ما يذكره بأيام الزمن الجميل، ذلك الزمن الذي مع كثرة تصاريفه- فإنه لم يشعر فيه أبدًا بالوحدة.
فتح الصندوق العتيق، وأول ما لمست أنامله كانت صورة تجمعه مع كُلِّ الأحباب، صورة تتناثر منها الابتسامات بالرغم من مرور عشرين عامًا كاملة عليها.
وما أن لمس الصورة حتى شعر بالابتسامات والضحكات البريئة تملأ المكان حوله بروائح البهجة، ونسائم الصحبة التي تجدد الحياة فيه دون أن يدري. وما أن لمس الوجوه الضاحكة في الصورة حتى سرى في جسده تيار من المشاعر الحانية التي تأجّجت جَذْوتها حتى جعلت من قلبه سماءً صافية مزيّنة بنجوم تشعّ بالأمان، دقّاته تنبض بالطمأنينة والابتسامات الصافية.
ودون أن يدري، نَسِيَ الزمان والمكان حواليه رويدًا رويدًا، وعاش الزمان الذي يهفو إليه، والمكان الذي طالما شعر بالحنين إليه، وانتقل بمشاعره إلى عالمه الخاص الذي يجعل من عينيه الضيقتين الدامعتين نافذة يرى منهما العالم أجمع.
سرت فى جَوَانِحُهُ مشاعر تفيض بالحب، والحنين، والشوق إلى الزمن الجميل. مشاعر أفاضت حلاوتها فى قلبه، فجعلته كقطعة شوكولاتة سويسرية بكل نكهات السكر في العالم. نكهة حلاوتها تجعل كل من حوله يتمنى لو يلتهم قلبه التهامًا.
هو نفسه شعر بحلاوة قلبه، فاستغرب نفسه، وابتسم متعجبًا. فكيف لخيال المشاعر أن يجعل من العينين المتعبتين سماءً ترى العالم أجمع؟ ومن القلب متّكئًا لكلّ باحث عن الأمان والطمأنينة والحب؟
وقبل أن يغوص في عالمه وتعجّبه، أفاق على يد حفيدته الصغيرة وهي تُمَسِكُ بقطعة شوكولاتة فى محاولة منها ببراءة الطفولة أن تدسَّها بين شفتيها، بينما هو مستغرقٌ في نوبة حلمه بالزمن الجميل.
نهض من على أريكته، وقد انطبعت على وجهه ابتسامة عريضة تملأ ملامحه النائمة جعلت حَفِيدَتَهُ الصغيرة تجري أمامه وهو يحاول اللَّحَاق بها، وكأن العالم كله يعدو أَمامه ضَاحِكًا حاملًا على كتفيه الزمن الجميل!